للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ومع أنّه كان للأب أخوان عالمان فاضلان، فلم يكتف عندما أحسّ بالموت بأن يدع ابنه إليهما، بل أوصى به إلى أفضل عالم من أصحابه، وسيأتي ذكره في مشايخه. توفي الأب ثالث شهر صفر من سنة عشر وخمسمائة، وعمر أبي سعد حينئذ ثلاث سنين وخمسة أشهر وثلاثة عشر يومًا، ولا أعرف الآن شيئًا من حال والدة أبي سعد.

كَفَل أبا سعد وصيّه وعمّاه، وكلهم من خيار العلماء، والبيئة صالحة فاضلة رجالها ونساؤها، وفي ذلك ما يغني عن الكلام في تنشئة أبي سعد في أوائل عمره، ولاسيما مع العلم بما صار إليه من أمره.

وبالجملة فإنّه حفظ القرآن وتعلّم الفقه والعربية والأدب، وصار يسمع الحديث مع عمّيه، ثم بعد أن قارب العشرين صار يسمع بنفسه غير أنّهم لم يسمحوا له بالرحلة إلا بأخرة.

* رحلته:

ألحّ عليهم أن يأذنوا له بالرحلة إلى نيسابور ليسمع "صحيح مسلم" من المتفرد به المعمّر الثقة الفاضل أبي الفضل الفُراوي الذي طال عمره، وأصبح يتوقع كل يوم موته، وإذا مات ولم يسمع منه أبو سعد كانت حسرةً في قلبه لا تندمل، فلم يأذنوا له حتى جاوز عمره الثانية والعشرين من السنين، ولم يسمحوا له بالسفر وحده، بل سافر معه أحد عميه.

وضاق صدر أبي سعد بتلك العناية الحبيبة الكريهة، فلمّا أتمّ سماع "صحيح مسلم" في نيسابور أراد عمه أن يرجع به إلى وطنه، فلم يسع أبا سعد إلا أن يختبئ، أملًا أن يملّ عمه الانتظار، فيذهب ويدعه يطوف في مراكز العلم كما يحب، لكن العمّ كان أصبر منه، لزم نيسابور حتى ملّ