للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فأما المتكلمون فلا يبعد أن يكون أكثرهم كما قال الغزالي (١)، وذلك أنهم لم يتعرّضوا لذلك النور والتأييد والهداية، بل تعرَّضوا للحرمان والإضلال بعُدولهم عن الصراط المستقيم وسلوكهم غير سبيل المؤمنين، فإذا حصل لأحدهم شيء من الاعتقاد حَمِد نفسه قبل ربه! وقال: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي}. اقرأْ من سورة القصص [٧٨]، ومن سورة الزمر [٤٩].

وإذا قيل لهم: صدِّقوا بما جاءت به الرسل، قالوا: لا نُصدِّق فيما يتعلق بالمعقولات [٢/ ٢٣١] إلا بما أدركته عقولُنا أو كشفُنا، واستهزأوا بمن يأخذ دينه من النصوص، وسمَّوهم: الحشوية، والغُثاء، والغُثْر، وغير ذلك. قال الله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [غافر: ٨٣]. وقال تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: ٨٥].

وإذا قيل لهم: آمنوا بالنصوص كما آمن بها السلف الصالح، قالوا: أولئك أعراب أُمِّيون جُفاة لا يدرون ما المعقول. قال الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} [البقرة: ١٣]. وآل بهم الزيغ إلى نِسْبة الكذب إلى الله تعالى ورسله، كما يجيء في الباب الآتي، فأنَّى يهديهم الله تعالى؟ قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النحل: ١٠٤ - ١٠٥].


(١) في "فيصل التفرقة" (ص ٩٣): "من أشد الناس غلوًّا وانحرافًا طائفة من المتكلمين ... ".