للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

هو ساخط عليه لأمرٍ، لولا السخط لَعلِمَ أنه لا يُوجب الجرح. وأئمة الحديث متثبتون، ولكنهم غير معصومين عن الخطأ.

وأهل العلم يمثِّلون لجرح الساخط بكلام النسائي في أحمد بن صالح (١). ولَمَّا ذكر ابن الصلاح ذلك في "المقدمة" (٢) عقَّبه بقوله: "قلت: النسائي إمام حجة في الجرح والتعديل، وإذا نُسِب مثله إلى مثل هذا كان وجهه أنّ عين السُّخْط تبدي مساوئ، لها في الباطن مخارج صحيحة تَعْمى عنها بحجاب السُّخْط، لا أن ذلك يقع من مثله تعمّدًا لقدح يعلم بطلانَه".

وهذا حق واضح، إذ لو حُمل على التعمّد سقطت عدالة الجارح، والفرض أنه ثابت العدالة. هذا، وكلّ ما يُخشى في الذمّ والجرح يخشى مثله في الثناء والتعديل. فقد يكون الرجل ضعيفًا في الرواية، لكنه صالح في دينه، كأبان بن أبي عياش، أو غيور على السنة كمؤمَّل بن إسماعيل، أو فقيه كمحمد بن أبي ليلى؛ فتجد أهل العلم ربما يثنون على الرجل من هؤلاء، غير قاصدين الحكم [١/ ٥٧] له بالثقة في روايته. وقد يرى العالم أن الناس بالغوا في الطعن، فيبالغ هو في المدح، كما يروى عن حماد بن سلمة أنه ذُكِر له طعن شعبة في أبان بن أبي عياش، فقال: أبان خير من شعبة (٣).

وقد يكون العالم وادًّا لصاحبه، فيأتي فيه نحو ما تقدم، فيأتي بكلمات الثناء التي لا يقصد بها الحكم، ولاسيما عند الغضب، كأن تسمع رجلًا يذمّ صديقك أو شيخك أو إمامك، فإن الغضب قد يدعوك إلى المبالغة في إطراء


(١) انظره في "تهذيب التهذيب": (١/ ٣٧).
(٢) (ص ٣٩١).
(٣) "من اختلف العلماء ونقاد الحديث فيه" (ص ٤٠) لابن شاهين.