للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بالإسرار به.

فإن قلت: هذا أقرب لإبقائه اللفظ على حقيقته؛ ولكن بقي فيه شيءٌ من حيث المعنى، وهو أنَّ الاستماع والإنصات إنما فائدته تفهُّم ما يقرأه الإمام وتدبُّره، وهذه الفائدة تزول بالاشتغال بالذكر ولو سرًّا.

قلت: أما زوالها ففيه نظر؛ فقد يقرأ الإنسان سرًّا وهو مع ذلك يفهم قراءة غيره في الجملة. نعم إذا لم يشتغل بالقراءة كان فهمه لكلام غيره أتمَّ.

ولكن قد يقال: دلَّ قوله: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ} أنَّ تفهُّم قراءة الإمام إنما أمر به من يريد الاشتغال عنه بكلام الناس. فأما من يريد الاشتغال عنه بقراءة أو ذكر فلا؛ لأنه قد حصل له ما هو أتمُّ من الاستماع.

ويؤكِّد هذا أن تفهُّم قراءة الإمام لم يقل أحدٌ بوجوبه، حتى لو اشتغل المأموم بالتفكر في شيء من أمر معاشه لم يقل أحدٌ بأنه آثم. ومع هذا فنحن نَقْصُر الذكر المأمور به على الذكر الواجب، وهو قراءة الفاتحة، وأنت خبير أن تحصيل الواجب أولى من تحصيل المستحب.

هذا مع أن أدلة وجوب الفاتحة تساعد على التخصيص الذي ذكرنا، بل تعيِّنه. وسيأتي تقرير هذا إن شاء الله تعالى.

هذا تحقيق الكلام في معنى الآية؛ مع التقيُّد بما نُقل عن السلف. فأما إذا صرفنا النظر عما نقل عنهم فسقوط الاحتجاج بها أوضح، ودونك البيان:

قال في "الكشَّاف" (١): "وقيل معناه: وإذا تلا عليكم الرسول القرآن عند


(١) (٢/ ١١١) ط. دار المعرفة.