للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

شفاعة، وكأنه من باب المشاكلة كقوله تعالى حكاية عن عيسى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة: ١١٦]، والله أعلم.

وقوله: «يا محمد» إن كان خطابًا للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بحضرته فلا حجَّة فيه للمخالف، وإن كان علّمه أن يقول ذلك بعيدًا عنه أي بحيث لا يسمعه عادة فسياق الدعاء ظاهر [٥٤٦] في أنَّه لا يُراد من ذلك إسماع النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا حقيقة الخطاب، وإنما هو من باب المجاز الذي تقدَّم ذكره، ومن القرينة على ذلك أنه لم يقع في متن الدعاء طلب شيء من النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكأنَّ أصل المعنى: اللهم إني أتوجَّه إليك بمحمد في حاجتي، وإنما عدل إلى الخطاب إشارة إلى أنه ينبغي للداعي بهذا الدعاء أن يكون مستحضرًا لفضيلة النبي - صلى الله عليه وسلم - وكرامته على ربه حتى كأنه - صلى الله عليه وسلم - حاضر أمامه.

وعلى هذا المجاز يُحمل ما يُروى أن عثمان بن حُنيف علّم رجلًا هذا الدعاء في خلافة عثمان، وما يُرْوَى من دعاء بعض التابعين بنحوه.

وعلى كلِّ حال فليس في الدعاء سؤال شيء من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما السؤال من الله تعالى.

وأما ما فيه من التوسُّل أي سؤال الله عزَّ وجلَّ بنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - فتلك مسألة أخرى ليس فيها سؤال من غير الله عزَّ وجلَّ، ومَنْ مَنع من هذا التوسُّل لم يقل: إنه عبادة لغير الله [٥٤٧] تعالى، ولا شرك، وغايته أن يقول: هو حرام.

وممن مَنَع هذا التوسُّلَ سلطانُ العلماء عزُّ الدِّين بن عبد السَّلام الشافعي إلَّا أنه استثنى النبي - صلى الله عليه وسلم - معلِّقًا ذلك بصحة الحديث (١).


(١) لعله يشير إلى ما في فتاوى العز ص ١٢٦ من إجازته الإقسام على النبيِّ محمد - صلى الله عليه وسلم - معلقًا ذلك بصحة حديث تعليم النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض الناس أن يقول في دعائه: «اللهم إني أقسم عليك بنبيك محمد نبي الرحمة»، واللفظ الوارد: «أتوسل إليك».