للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الثالث: أننا وجدنا أكثر ما عندكم تقليد كبرائكم، وقد اعترف بذلك الغزالي إذ قال (١): [بل اعتقاد أكثر المتكلمين في نُصرة مذاهبهم بطريق الأدلة، فإنهم قبلوا المذهب والدليل جميعًا بحُسْن الظن في الصِّبا، فوقع عليه نشؤهم].

فلعل ما يعرض للمتعمِّق منكم من السكون إلى موجود ليس في مكان إنما هو أثر من آثار التقليد والشبهات، والمُحَال إذا كثر سماعه واعتياد التصديق به تقليدًا ربما تألفه النفس، فترى كأنها مصدقة به مطمئنة إليه.

الرابع: أنكم توافقون أن معرفة الله عز وجل واجبة على كل عاقل، ولو كانت المعرفة لا تحصل إلا بالتعمُّق في المعقولات لكان غالب الناس غير متمكنين منها.

فإن قلتم: قد قال قوم بأنه يكفي العامة التقليد.

قلنا لكم: قد اختلف عليهم الناس، فمَنْ يقلدون؟

على أننا قد فتَّشنا كثيرًا من المقلدين الذين يُظْهِرون القول بقولكم، فوجدناهم إنما يقولون ما لا يفهمون، أو ما لا يعتقدون، فإذا حوققوا تبين أنهم معنا في ذلك القول، غاية الأمر أنهم قد لا يجزمون جَزْمنا؛ لتوهمهم أن ذلك ربما يفقدهم أعز شيء عليهم وهو الدين.


(١) ترك المؤلف مكان القول بياضًا، فأكملناه بما بين المعكوفين؛ فالظاهر أن هذا هو النص الذي أراد المؤلف نقله، بدليل أنه نقله في "التنكيل ــ القائد": (٢/ ٢٢٦).
وهذا القول في "المستصفى": (١/ ٤٤)، وقد كرره الغزالي بنحوه في عدد من كتبه، انظر "المنقذ من الضلال": (٧/ ٣٣ - ضمن رسائل الغزالي)، و"إلجام العوام عن علم الكلام": (٤/ ٨١ ضمن رسائل الغزالي).