للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قرينة، فقد أخطأ من وجهين. ومن قدَّم مع وجود إحداهما فقط فقد أخطأ من ذلك الوجه. وهذا ــ والله أعلم ــ هو مراد القائلين بأن الواو للترتيب. والفرق بينها وبين الفاء و (ثم) أن الواو وإن كانت بمقتضى قاعدة التقديم والتأخير تقتضي الترتيب فذلك ظاهر يجوز خروجها عنه لنكتة بقرينة، والفاء و (ثم) للترتيب حتمًا. وقد يقال: بل التقديم في الحكم نكتة من النكت، فحيث كانت هناك نكتة أوضح منها مثل: «جاء الملك وكاتبه» لم يفهم من الواو إلا مطلق الجمع، وإلا فالظاهر الترتيب في الحكم.

والشافعي رحمه الله إنما تعرَّض لهذا في ترتيب الوضوء فنزع بالآية، ثم ذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدأ بما بدأ الله به، وأنه في [١/ ٤١٢] السعي بدأ بالصفا وقال: «نبدأ بما بدأ الله به»، وأنه في رمي الجمار يجب البدء بما بدأ به صلى الله عليه وآله وسلم. فهذه حجته، فكيف يتوهّم أنه إنما بنى قولَه على زَعْم أن الواو بمنزلة الفاء وثم؟

وأما الباء فإنه قال في مسح الرأس: « ... كان معقولًا في الآية أن من مسح من رأسه شيئًا فقد مسح برأسه ... ودلت السنة على أنه ليس على المرء مسح الرأس كله ... » (١). وهذا قد يكون بناء على معنى الإلصاق، فقد ذكروا من أمثلته «أمسكت بزيد» مع أن يدك إنما تلاصق بعضه. وعلى هذا يكون الفرق بين الباء و «من» أن «من» نص على التبعيض، وباء الإلصاق مطلقة تَصْدُق بالبعض وتَصْدُق بالكل. ولعل هذا مراد من أطلق أنها تجيء للتبعيض. وراجع لكلام الحنفية في الحكم والآية واضطرابهم في ذلك:


(١) «الأم»: (٢/ ٥٦).