للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بتأمل، وقد لا يظهر. وذلك بحسب اختلاف قدر الماء، وقدر المداد، وقدر لونه، وعلى كل حال فالخلوص محقَّق، وإنما لا يظهر اللون لتفرُّق الذرات. وظنونُ الناس لا ترجع غالبًا إلى دلالة، وإنما ترجع إلى طبائعهم، فمنهم متقزِّز ينفر عن حوض كبير إذا رأى إنسانًا واحدًا بال فيه. وآخر لا ينفر، ولكن لو رأى ثلاثة بالوا فيه لنفر. وثالث لا ينفر، ولو رأى عشرةً بالوا فيه! وإذا جردت الرواية الأولى عن التحكم لم يكد يتحصل منها إلا أنَّ قائلها وَكَل الناس إلى طباعهم، وفي عدِّ هذا قولًا ومذهبًا نظر.

وقد حكى الحنفية أن محمد بن الحسن كان يقول بعشرٍ في عشر، ثم رجع وقال: "لا أوقِّت شيئًا" (١). وعقد الشافعي لهذه المسألة بابًا طويلًا تراه في كتاب "اختلاف الحديث" بهامش "الأم" (ج ٧ ص ١٠٥ - ١٢٥) (٢)، وذكر أنه ناظر بعضهم، والظاهر أنه محمد بن الحسن، وفي المناظرة (٣): "قال: قد سمعتُ قولك في الماء، فلو قلتَ: لا ينجس الماء بحال للقياس على ما وصفتَ أن الماء يزيل الأنجاس، كان قولًا لا يستطيع أحدٌ ردَّه ... قلت: ولا يجوز إلا أن لا ينجس شيء من الماء إلا بأن يتغير ... أو ينجس كلُّه بكلِّ ما خالطه. قال: ما يستقيم في القياس إلّا هذا، ولكن لا قياسَ مع خلافِ خبرٍ لازم. قلتُ: فقد خالفتَ الخبرَ اللازم، ولم تقل معقولًا، ولم تقِسْ". وقال في موضع آخر (٤): "فقال: لقد سمعتُ أبا يوسف يقول: قول


(١) انظر "حاشية ابن عابدين" (١/ ١٩١).
(٢) (١٠/ ٨٢ - ٩٥) ط. دار الوفاء.
(٣) المصدر السابق (١٠/ ٨٩، ٩٠).
(٤) المصدر السابق (١٠/ ٩٣).