للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قيل له: فقد ذكرنا الدليل على عدم صحته عن أبي هريرة، وإنما خلط فيه أيوب.

وكم من أحاديث رُويت عن أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي بأسانيد متصلة وحَكَم أهلُ العلم ببطلانها، وحملوا بحقّ تبعتها بعضَ رواتها، فلذلك هنا إن كان الخبر باطلًا فتَبِعته على أيوب لِمَا عرفتَ من حاله.

وستعرف إن شاء الله في النقض المستوفى (١) مكانة أبي هريرة الحقيقية في الإسلام، وتدمغُ حُججُ الحقِّ ما حيكَ حولَه من الشبهات، والله المستعان.

[ص ١٩] ومن تلك الدلالات القطعية ما هو مناقض للعقل عند المتكلّمين أنفسهم، وأنه لا مفرَّ لهم من الاعتراف بأن في نصوص القرآن وفيما تكلّم به النبي - صلى الله عليه وسلم - يقينًا ما هو قطعي الدلالة يُعلم منه قطعًا أن المتكلم أراد به المعنى الظاهر منه، ومع ذلك يكون المعنى في نفسه باطلًا.

ثم حاول تلطيف ذلك بأنّ مِثْل ذلك إنما وقع لضرورة إصلاح العوام الذي هو المقصود من الشرائع. والعوام لا يُمكن إصلاحهم إلا بإخبار مثل تلك الأخبار التي تُناسب عقولهم وتبعث في نفوسهم الرهبة الشديدة والرغبة الأكيدة له فينقادوا.

وحاصل هذا أن في القرآن وما تكلّم به النبي - صلى الله عليه وسلم - يقينًا ما هو كذب، إلا أنه كذب للمصلحة. نعم، إن ابن سينا ومَن وافقه لم يصرحوا بكلمة "كذب"، ولا غروَ أن يكون أبو ريَّة مع ابن سينا أو أن يزيد عليه.


(١) "الأنوار الكاشفة" (ص ١٩٤ ــ ٣١٥).