للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصادقة ... ». ومرّ سابقًا (١) أن هذا لا ينافي حديث التحديث؛ لأن التحديث أضعف من الرؤيا فلم يَسْتَثْنِه.

فأما مشافهة الملائكة للإنسان بالغيب يقظةً فإنه أقوى من الرؤيا، فالحديث المذكور دليل على عدمه أيضًا، فإن وقع لأحدٍ غير الأنبياء شيءٌ مما يشبه ذلك فليحذر، فإنما المخاطِبُ له شيطان. والله أعلم.

وذلك أن الرائي لا يثق بكون الشخص المتمثِّل له ملكًا إلا أن يكون الرائي نبيًّا، فإن الله يسلك من بين يديه ومن خلفه رَصدًا، ويعصمه من تلبيس الشياطين عليه.

وأما غير النبي فالظاهر إذا تمثَّل له شخصٌ على أنه مَلَك وخاطبه بالغيب، فهو شيطان كما مرّ دفع هذا (٢)، فالأولى إطلاق الجواب الأول، وهو أنَّ الجنّ لا يُمَكَّنون من استيفاء خبرٍ تامٍّ عن الملائكة. وهكذا يقال في سماعهم لخبر الملائكة في الأرض: إن الله عز وجل لا يُمكِّنهم منه إلّا ما كان من كلمة أو كلمتين، وذلك أن الملائكة إذا أرادوا أن يتكلّموا في الأرض بدأوا بطرد الشياطين حتى لا تسمع كلامهم أو غير ذلك مما لا نعلمه، والله على كل شيء قدير. (٣) وكما أن الجني قد يتلقَّى تلك الكلمة باختطاف السمع من السماء فقد يتلقّاها باختطاف السمع من الملائكة في الأرض كما مرّ، وقد يتلقّاها


(١) (ص ٣٤٣).
(٢) (ص ٣٤٥).
(٣) كتب المؤلف قبلها «رجع» يعني رجوعه إلى أصل البحث بعد الاستطراد.