للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فصل من رسالته. وهذا هو الظن به رحمه الله تعالى , فإن دلائل رمي الطير بغاية الوضوح، وما عورضت به كسراب بقيعة.

وقد أغناني بكلمته هذه عن بيان أنه لو ثبت أن رمي الجمار تذكار لرمي أصحاب الفيل، لما لزم نفي الرمي عن الطير وإثباته لأهل مكة، بل يكون حينئذٍ تذكارًا لنعمة الله عزَّ وجلَّ بتسليطه الطير على رمي أصحاب الفيل.

وقوله: "الذي يرى في رميه أنه يرمي الشيطان لا يحس بداعية قوية ... ". صوابه أن الرامي إن كان يعلم مبدأ الرمي وحكمته، فإنه يناجي نفسه قائلًا: إن الشيطان للإنسان عدو مضل مبين، لم ييأس من إبراهيم نبي الله ورسوله وخليله، ثم لم يكفه أن طرده مرة حتى تعرض له ثانية، ثم ثالثة.

وعَلِمَ إبراهيم عليه السلام الاضطرارَ إلى الاستعانة بالله عزَّ وجلَّ، فأطال الوقوف [ص ٨٧] بعد ما رماه ثانيًا ثم ثالثًا. وقد شرع الله لعباده أن يتشبهوا بإبراهيم عليه السلام في الصورة الظاهرة تحقيقًا للتشبه به في الحال النفسية. فهذه يدي كأنها تطرد الشيطان برميه بالحصباء، وهذا قلبي يطرد الشيطان عن أن يؤثر فيه إعراضًا عن سبيل الله، أو تقصيرًا فيه.

ولا شك أن طرد القلب للشيطان لا يتحقق بالإعراض عنه في الحال، بل لا بد من عقد النية، وتأكيد العزم على إبعاد الشيطان، ومخالفته ومجانبته.

إذن، فهذا في المعنى عهدٌ وميثاقٌ أوتيه ربي عزَّ وجلَّ على الاستمرار في سبيله، ومخالفة الشيطان؛ على أنني لست بمستعظم كيد الشيطان، ولا معتمد على نفسي، فإن الله أكبر، وأنا أسأله كذا وكذا ...

فهذه الداعية تنفع المؤمن في جميع أموره، ويدخل فيها الجهاد، فإنه من سبيل الله الذي يصد عنه الشيطان.