للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بالأحياء، فلن يكون حال الأرواح إلا كحال الملائكة سواء. بل الأرواح أولى بأن لا يؤذن لها في التصرُّف (١)

[٢/ ٢٧٥] بأهوائها، فإنها في غير دار


(١) علَّق عليه الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة بقوله: «والحق أن الأرواح بعد [الموت] في قبضة الواحد القهار لا تصرف لهم في شؤون الأحياء، بل قد انقطع عملهم كما في الحديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». وهذه الثلاثة الباقية له بعد موته هي آثار أعماله في الحياة قبل موته، فليست عملًا له بعد الموت. وقال تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}. فالذي مات أُمسك في قبضة القهار، بخلاف الحي الذي أُرسل إلى أجل مسمى. وما فتح الشرك على من أشركوا بالأموات والصالحين إلا اعتقادهم فيهم أنهم يفعلون بعد موتهم مثل ما كانوا يفعلون في حياتهم أو أشد وأقوى على سبيل الكرامة بزعمهم، فتوكلوا على الأموات وعبدوهم، ونسوا الحيَّ القيوم فلم يتَّكلوا عليه ولم يخلصوا له العبادة، كما هو مشاهد من أحوال عباد القبور والمنتصرين لهم في شرق الأرض وغربها. والله المستعان» اهـ.
وعقَّب عليه المؤلف قائلًا: «إنما فرضت الإذن للأرواح فرضًا، وأوضحت أنه على فرضه فلن يكون حالها إلا كحال الملائكة، في أن تصرفها إنما يكون تنفيذًا لما يأمر الله عزَّ وجلَّ، وكما أن ثبوت ذاك التصرف للملائكة لا شبهة فيه لمن يعبدهم فكذلك الأرواح. وهذا واضح جدًّا وهو أقطع للنزاع مِن بسط الكلام في نفي التصرف البتة.

وفي «كتاب الروح» لابن القيم ما يؤخذ منه أنه يثبت للأرواح تصرفًا في الجملة، وسمعت بعض الإخوان يستعظم ذلك، كأنه يرى أن ذلك يروِّج شبهةَ دعاة الموتى. ولا أشك أن هذا لم يغب عن ذهن ابن القيم، ولكنه يعلم أن الشبهة إنما تروج إذا أثبتنا للأرواح تصرفًا بأهوائها، فأما ما كان من قبيل تصرف الملائكة فلا. وما ذكره الشيخ من انقطاع العمل حق، لكن لابن القيم أن يقول: قد تحب الأرواح أن تعمل عملًا في طاعة الله عزَّ وجلَّ تلذذًا بالطاعة كصلاة الأنبياء ليلة الإسراء ونحو ذلك، فيكون ذاك التصرف في حقِّها من جملة النعيم تلتذُّ به نفسُه ولا تثاب عليه، وعلى كل حال فإنما فرضت فرضًا، ليس فيه أدنى متشبَّث لدعاة الموتى، فتدبر».