للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بالأصل والظاهر ونحو ذلك، ويعملوا بما ظهر لهم حتى يجيئهم من الشارع ما يخالف ذلك، وهذا يُشعر بأن الشارع إنما أذن بذلك؛ لأن الله عزَّ وجلَّ رقيبٌ عليهم، فإذا علم منهم خطأً في الدين بيّنه لهم على لسان رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم -، فأما إن وقعت من بعضهم معصية يعلم أنها معصية، وأن الله عزَّ وجلَّ يستره ولا يفضحه، وإنما يُنبِّه على ما يتعلق بالأحكام.

وإن لم يُسَلَّم هذا المذهب، فإننا نُثبِت عِلْمَ النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - صُنْعَ معاذٍ:

أولًا: لأنه أعلمُ بالله [من] أن يُقدِم على ما لا يثق بصحته، وقد أثنى عليه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بأنه أعلم الأمة بالحلال والحرام (١)، وأنه يأتي يوم القيامة أمامَ العلماء [برَتْوةٍ] (٢)، وهو الذي بيَّن للأمة متابعةَ الإمام، إذ كانوا أولًا إذا جاء الرجل الجماعة، فوجدهم يصلُّون وراء النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - سأل [فيُشير] إليه أحدهم أنه قد سُبِق بكذا، فيبدأ فيصلّي ما سُبِق به لنفسه حتى يدرك الإمام فيما هو فيه فيوافقه، فجاء معاذ فقال: لا أجدُه على حالٍ إلا كنتُ عليها، فوافق النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فيما هو فيه، فلما سلّم النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قام معاذ فأتمَّ ما سُبِق به، فقال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «إن معاذًا قد سَنَّ لكم، فهكذا فاصنعوا» (٣) أو كما قال. فكيف يُظَنُّ به


(١) أخرجه الترمذي (٣٧٩٣، ٣٧٩٤) وابن ماجه (١٥٤) من حديث أنس بن مالك، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) الرتوة: رمية السهم. والحديث أخرجه الطبراني في «الكبير» (٢٠/رقم ٤١) وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ٢٢٩) من حديث محمد بن كعب القرظي مرفوعًا. وله طرق أخرى، انظر التعليق على «المسند» (١٠٨).
(٣) أخرجه أحمد (٢٢١٢٤) وأبو داود (٥٠٦، ٥٠٧) والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٢٧٤) وغيرهم من حديث معاذ، ورجاله ثقات، إلا أن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ، فهو منقطع.