للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فأما من قال: «ذاك ظنٌّ من جابر فلا حجة فيه» (١)، فقد دفعه ابن حجر في «الفتح» (٢) بقوله: « ... مردود؛ لأن جابرًا كان ممن يصلّي مع معاذ، فهو محمول على أنه سمع ذلك منه، ولا يُظَنُّ بجابر أنه يخبر عن شخصٍ بأمر غير مشاهد، إلا بأن يكون ذلك الشخص أَطْلَعَه عليه».

أقول: في هذا نظر، فقد يجوز أن يكون جابر بنى على الظاهر، نعم، إذا كان هذا هو الظاهر عند جابر، وكان ممن يصلِّي مع معاذ، ففي ذلك دليل على أنه لم يكن عند القوم خبر بما يخالف ذلك، وهذا يدلُّ على أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لما أذِنَ لهم أن يصلِّي بهم معاذٌ بعد أن يُصلِّي به، لم يأمر معاذًا بأن ينوي بالأولى النافلة، وبالثانية الفريضة؛ إذ لو أمره بذلك لأخبر قومه؛ ليعرفوا الحكم، ولئلا تكون صلاتهم مختلة، فإن الحنفية لا يجيزون صلاة المقتدي إذا كان يرى أن إمامه قد أدّى تلك الصلاة، وإنما يُعيدها نافلةً.

ومن أجوبتهم: دعوى النسخ، واستدلُّوا على النسخ بقوله في تلك الرواية: «إما أن تُصلِّي معي، وإما أن تُخفِّف على قومك»، وقد تقدم الكلام عليه. واستدلُّوا أيضًا بحديث ابن عمر: «لا تُصلُّوا صلاةً في يوم مرتين» وقد تقدم الكلام عليه. واستدلُّوا بحديث: «الإمام ضامنٌ»، وحديث: «إنما جُعِل الإمام ليُؤتَمَّ به». وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى.


(١) قاله الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٤٠٩).
(٢) (٢/ ١٩٦).