للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ولو ساغ ذلك لسقطت ظواهر الكلام كلها؛ لأنه ما من كلمة إلَاّ وقد استعملت أو يجوز استعمالها في خلاف ظاهرها مع نصب القرينة على ذلك، ولا يقول بذلك مسلمٌ، بل ولا عاقلٌ.

على أنَّ حديث: "لا صلاة بحضرة الطعام" قد ورد بلفظ: "لا يصلي أحدكم بحضرة الطعام" إلخ. كذا هو في "صحيح ابن حبان" (١)، ذكره الحافظ في "الفتح" (٢) ثم قال: "أخرجه مسلمٌ من طريق حاتم بن إسماعيل وغيره عن يعقوب بن مجاهد عن القاسم. وابن حبان من طريق حسين بن علي وغيره عن يعقوب به. وأخرج له ابن حبان (٣) أيضًا شاهدًا من حديث أبي هريرة بهذا اللفظ". يعني بلفظ: "لا يصلي أحدكم".

وقوله: "لا يصلي" إما نهي وإما نفي بمعنى النهي، فلا يكون صريحًا في البطلان، بل يدلُّ عند الحنفية على الصحة، ويحمل عليه لفظ: "لا صلاةَ بحضرة الطعام" جمعًا بين الروايات. بخلاف "لا صلاة بفاتحة الكتاب"، فإنه صريحٌ في النفي المقتضي للبطلان اتفاقًا. ولم يقم دليلٌ يُسوِّغ صرفَه عن ظاهره إلى معنى النهي، والله أعلم.

وقد زعم بعضهم أنَّ نفي الشيء شاع استعماله في المجاز، وهو نفي الكمال؛ حتى صار هذا المجاز حقيقة عرفية، وهذا بهتان عظيم! وكيف يجعل الله تبارك وتعالى (لا إله إلَاّ الله) عنوان التوحيد إذا كان ظاهرها لا يفيد التوحيد


(١) رقم (٢٠٧٤).
(٢) (٢/ ٢٤٢).
(٣) رقم (٢٠٧٢). وفيه: "لا يُصلِّ" بصيغة النهي.