للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

وقد وقع هذا الحديث عند أحمد -٢/ ٣٥١ - من طريق سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - بأتّم من هذا السياق، ولفظه: "يُبايَعُ لرجل بين الركن والمقام، ولم يستحلّ هذا البيت إلا أهلُهُ، فإذا استحلّوه، فلا تسأل عن هَلَكَة العرب، ثم تأتي الحبشة، فيخربونه خَرَابًا لا يُعمر بعده أبدًا، وهم الذين يستخرجون كنزه".

ولأبي قرّة في "السنن" من وجه آخر عن أبي هريرة، مرفوعًا: "لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة"، ونحوه لأبي داود من حديث عبد اللَّه عمرو بن العاص. وزاد أحمد، والطبرانيّ من طريق مجاهد، عنه: "فيسلبها حليتها، ويجرّدها من كسوتها، كأني أنظر إليه أُصيلع، أُفيدع، يضرب عليها بمسحاته، أو بمعوله". وللفاكهيّ من طريق مجاهد نحوه، وزاد: "فلما هدم ابن الزبير الكعبة جئت أنظر إليه هل أرى الصفة التي قال عبد اللَّه بن عمرو، فلم أرها" (١).

قال القرطبيّ: قيل: إن خرابه يكون بعد رفع القرآن من الصدور والمصاحف، وذلك بعد موت عيسى - عليه الصلاة والسلام -، وهو الصحيح. انتهى.

ووقع عند أحمد -٢/ ٣١٠ - من طريق ابن المسيّب، عن أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: قال رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم -: "في آخر الزمان يظهر ذو السويقتين على الكعبة"، قال: حسبت أنه قال: "فيهدمها".

قال الحافظ: قيل: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه عنه - يخالف قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا} الآية [العنكبوت: ٦٧]، ولأن اللَّه حبس عن مكة الفيل، ولم يمكن أصحابه من تخريب الكعبة، ولم تكن إذ ذاك قبلة، فكيف يسلط عليها الحبشة، بعد أن صارت قبلة للمسلمين.

وأجيب بأن ذلك محمول على أنه يقع في آخر الزمان، قرب قيام الساعة، حيث لا يبقى في الأرض أحدٌ يقول: اللَّه، اللَّه، كما ثبت في "صحيح مسلم": "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: اللَّه اللَّه". ولهذا وقع في رواية سعيد بن سمعان: "لا يعمر بعده أبدًا". وقد وقع قبل ذلك فيه من القتال، وغزو أهل الشام له في زمن يزيد بن معاوية، ثم من بعده في وقائع كثيرة، من أعظمها وقعة القرامطة بعد الثلاثمائة، فقتلوا من المسلمين في المطاف من لا يُحصى كثرةً، وقلعوا الحجر الأسود، فحوّلوه إلى بلادهم، ثم أعادوه بعد مدّة طويلة، ثم غُزي مرارًا بعد ذلك. وكلّ ذلك لا يعارض قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا} [العنكبوت: ٦٧]؛ لأن ذلك إنما وقع بأيدي المسلمين، فهو مطابق لقوله - صلى اللَّه عليه وسلم -: "ولن يستحلّ هذا البيت إلا أهله". فوقع ما أخبر به


(١) - "فتح" ٤/ ٢٥٩.