للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

ذكرناها عن قريب. الثاني فيه نظرٌ أيضًا؛ لأنه لا يمشي ما ذكره في مذهب غيره.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مذهبه هو الصحيح في مسألة جواز رجوع الوالد فيما وهبه لولده؛ لصحة الأحاديث بذلك، كما سيأتي في محلّه إن شاء اللَّه تعالى.

قال: الثالث ذكر أنه اشتراها منه، أي من دحية، ولم يجر بينهما عقد بيع أوّلًا، فكيف اشتراها منه بعد ذلك.

[فإن قلت]: وقع في رواية مسلم أن النبيّ - صلى اللَّه عليه وسلم - اشترى صفيّة منه بسبعة أرؤس. [قلت]: إطلاق الشراء على ذلك على سبيل المجاز؛ لأنه لما أخذها منه على الوجه الذي نذكره الآن، وعوّضه عنها بسبعة أرؤس على سبيل التكرّم والفضل أطلق الراوي الشراء عليه لوجود معنى المبادلة فيه.

وأما وجه الأخذ فهو أنه لما قيل له: إنها لا تصلح له من حيث إنها من بيت النبوّة، فإنها من ولد هارون أخي موسى - عليهما الصلاة والسلام -، ومن بيت الرياسة، فإنها من بيت سيّد قُريظة والنضير، مع ما كانت عليه من الجمال الباعث على كثرة النكاح المؤدّية إلى كثرة النسل، وإلى جمال الولد، لا للشهوة النفسانيّة، فإنه - صلى اللَّه عليه وسلم - معصومٌ منها.

وعن المازريّ: يُحمل ما جرى مع دحية على وجهين: أحدهما: أن يكون ردّ الجارية برضاه، وأذن له في غيرها. الثاني: أنه إنما أذن له في جارية من حشو السبي، لا في أخذ أفضلهنّ، ولَمّا رأى أنه أخذ أَنْفَسَهنّ، وأجودهنّ نسبًا وشرفًا وجمالًا استرجعها؛ لئلّا يتميّز دحية بها على باقي الجيش، مع أن فيهم من هو أفضل منه، فقطع هذه المفاسد، وعوّضه عنها. وفي سيرة الواقديّ: أنه - صلى اللَّه عليه وسلم - أعطاه أخت كنانة بن الربيع ابن أبي الحُقَيق، وكان كنانة زوج صفيّة، فكأنه - صلى اللَّه عليه وسلم - طيب خاطره لما استرجع منه صفيّة بأن أعطاه أخت زوجها. وقال القاضي عياضٌ: الأولى عندي أن صفيّة كانت فيئًا؛ لأنها كانت زوجة كنانة بن الربيع، وهو وأهله من بني الحقيق، كانوا صالحوا رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم -، وشَرَط عليهم أن لا يكتموا كنزًا، فإن كتموه، فلا ذمّة لهم، وسألهم عن كنز حييّ ابن أخطب، فكتموه، فقالوا: أذهبته النفقات، ثم عثر عليه عندهم، فانتقض عهدهم، فسباهم، وصفيّة من سبيهم، فهي فيء، لا يُخمس، بل يفعل فيه الإمام ما رأى.

قال العينيّ: هذا يتفرّع على مذهبه أن الفيء لا يُخمس، ومذهب غيره أنه يخمس. انتهى (١).

وقال أبو العباس القرطبيّ -بعد ذكر نحو ما تقدّم-: وحَذَارِ من أن يَظُنّ جاهل


(١) راجع "عمدة القاري" ٣/ ٣٢٦ - ٣٢٧.