للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

لطائف هذا الإسناد:

(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير أبي عمار، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن أبي عمّار، عن عمرو ابن شُرحبيل. واللَّه تعالى أعلم.

شرح الحديث

(عَنْ رَجُلِ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى اللَّه عليه وسلم -) لم أر من سمّاه، لكن جهالته لا تضرّ؛ لأن الصحابة - رضي اللَّه عنهم - كلهم عدول بإجماع من يُعتدّ بإجماعه، كما هو مقرّر في كتب مصطلح الحديث (قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ - صلى اللَّه عليه وسلم -: رَجُلٌ يَصُومُ الدَّهْرَ) "رجل" مبتدأ، وما بعده صفته، والخبر محذوف، أي ما حكمه؟. ويحتمل أن يكون "قيل" بمعنى ذُكِرَ، و "رجل" نائب فاعله، وجملة "يصوم الدهر" صفة لـ"رجل". ويؤيّد الاحتمال الأول وقوعه في الرواية التالية بلفظ الاستفهام: "ما تقول في رجل صام الدهر؟ ". (قَالَ: (وَدِدْتُ أنَّهُ لَمْ يَطْعَمِ الدَّهْرَ") أي وددت أنه ما أكل ليلاً، ولا نهارًا، حتى مات جوعًا، والمقصود بيان كراهة عمله، وأنه مذموم العمل حتى يتمنّى له الموت بالجوع (قَالُوا: فَثلُثَيْهِ) بالنصب مفعولا لمقدّر، أي إن صام ثلثي الدهر، فما حكمه؟ (قَالَ: "أَكْثَرَ) يحتمل أن يكون أفعل تفضيل، مرفوعًا خبرًا لمحذوف، أي هو أكثر من الحد المطلوب. ويحتمل أن يكون فعلاً ماضيا، أي أكثر الرجل من الصوم حتى جاوز الحدّ ينبغي أن لا يتجاوزه عع (قَالُوا: فَنِصْفَهُ) أي إن صام نصف الدهر (قَالَ: "أَكْثَرَ") هذا بناء على النظر إلى أحوال غالب الناس، فإنه بالنظر إلى غالبهم يضعف، ويُخلّ في إقامة الفرائض وغيره، وإلا فهو صوم داود - عليه السلام -، وقد ثبت عنه - صلى اللَّه عليه وسلم - أنه قال: "أفضل الصيام صيام داود - عليه السلام -"، كما يأتي في الباب التالي (ثُمَّ قَالَ: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ) - بفتحتين- قيل: غَشّه، ووساوسه. وقيل: الحقد والغيظ. وقيل: العداوة. وقيل: أشدّ الغضب. وقيل: ما يحصل في القلب من الكدورات، والقسوة، وينبغي أن يراد ههنا الحاصلة بالاعتياد على الأكل والشرب، فإن الصوم إنما شُرع لتصقيل القلب، كما قال اللَّه -عَزَّ وَجَلَّ-: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: ١٨٣]، فكأنه أشار إلى أن هذا القدر يكفي في ذلك. ويحتمل أن يقال: طالب العبادة لا يطمئن قلبه بلا عبادة، فأشار إلى أن القدر الكافي في الاطمئنان هذا القدر، والباقي زائد عليه. واللَّه تعالى أعلم. قاله السنديّ (١).


(١) - "شرح السندي" ج ٤ ص ٢٠٨ - ٢٠٩.