للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

شرح الحديث

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنْ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ أَرْسَلَ جِبْرِيلَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- إِلَى الْجَنَّةِ، فَقَالَ: انْظُرْ إِلَيْهَا, وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا) أي من النعيم المقيم، والعزّ المسنديم (فَنَظَرَ) جبريل (إِلَيْهَا، فَرَجَعَ، فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ) هذا محلّ الشاهد، حيث أقسم جبريل - عليه السلام - بعزة اللَّه تعالى، فدلّ على مشروعيّة القسم بعزّة اللَّه تعالى.

(لَا يَسْمَعُ بِهَا) أي بصفات الجنَّة، وبما أُعدّ فيها من أنواع النعيم المقيم، وأصناف العزّ المستديم (أَحَدٌ، إِلاَّ دَخَلَهَا) قال السنديّ: يريد أن مقتضى ما فيها من اللذّة، والخير، والنعمة أن لا يتركها أحدٌ سمع بها في أيّ نعمة كان، ولا يَمْنَعُ عنها شيء من النعم، ولا يستغني عنها أحد بغيرها أيَّ شيء كان، والمطلوب مدحها، ومدح ما أُعدّ فيها، وتعظيمها، وتعظيم ما فيها، وأنها دارٌ لا يساويها دارٌ، وليس المراد الحقيقة، حتّى يقال: يلزم أن يكون جبريل بهذا الحلف حانثًا، ويكون في هذا الخبر كاذبًا، وهذا ظاهرٌ. ويحتمل أن المراد: لايسمع بها أحدٌ إلا دخلها، إن بقيت على هذه الحالة. انتهى.

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الاحتمال الثاني هو الصواب، وأما الاحتمال الأول، ففيه نظر لا يخفى، فإن أسلوبه غير لائق بالمقام، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.

(فَأَمَرَ) اللَّه سبحانه وتعالى. وفي نسخة: "وأمر" (بِهَا) أي بالجنة (فَحُفَّتْ) بالحاء المهملة، والفاء، والبناء للمفعول، من الحَفَاف، وهو ما يُحيط بالشيء، حتى لا يُتوصل إليه إلا بتخطّيه، فالجنة لا يُتوصّل إليها إلا بقطع مفاوز المكاره، والنار لا يُنجَى منها إلا بترك الشهوات (١) (بِالْمَكَارِهِ) جمع مكروه، كما في "اللسان".

قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: أي جُعلت سبل الوصول إليها المكارهَ والشدائد على الأنفس، كالصوم، والزكاة، والجهاد، ولعلّ لهذه الأعمال وجودًا مثاليًا ظهر بها في ذلك العالم، وأحاطت الجنة من كلّ جانب، وقد جاء الكتاب والسنّة بمثله، ومن جملة ذلك قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ -أي المسميات- عَلَى الْمَلَائِكَةِ} [البقرة: ٣١]، ومعلومٌ أن فيها المعقولات، والمعدومات. واللَّه تعالى أعلم. انتهى (٢).

(فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَيْهَا, فَانْظُرْ إِلَيْهَا, وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا, فَنَظَرَ إِلَيْهَا، فَإِذَا هِيَ


(١) "فتح" ١٣/ ١١٧.
(٢) "شرح السنديّ" ٧/ ٣ - ٤.