للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

(الثاني): أن يدلّ الدليل على تناوله لمحل النزاع، إذ من منع السجود على الثوب المتصل به يشترط في المنع أن يكون متحركا بحركة المصلي، وهذا الأمر الثاني سهل الإثبات، لأن طول ثيابهم إلى حيث لا تتحرك بالحركة بعيد. انتهى كلام ابن دقيق رحمه الله تعالى (١).

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة القول أن استدلال من استدل بهذا الحديث على جواز السجود على الثوب المتصل بالمصلي الذي يتحرك بحركته ظاهر، إذ تعقيبه بالفاء التعقيبية في قوله: "بسط ثوبه، فسجد عليه" كما في رواية مسلم ظاهر في ذلك، ويؤيد ذلك قلة ثيابهم، ويؤيده أيضا بُعْدُ حمله على غير المتحرك بحركته، لأن طول ثيابهم بهذا القدر لعيد كلّ البعد.

والحاصل أن مذهب الجمهور هو الراجح لظهور دليله. والله تعالى أعلم.

(ومنها): جواز العمل القليل في الصلاة، ومراعاة الخشوع فيها، لأن الظاهر أن صنيعهم هذا لإزالة التشويش العارض من حرارة الأرض.

(ومنها): تقديم الظهر في أول الوقت، لكن يعارض هذا ما ورد من الأحاديث في الأمر بالإبراد.

قال في "الفتح": فمن قال: الإبراد رخصة، فلا إشكال، ومن قال: سنة، فإما أن يقول: التقديم المذكور رخصة، وإما أن يقول: منسوخ بالأمر بالإبراد.

وأحسن منهما أن يقال: إن شدة الحرّ قد توجد مع الإبراد، فيحتاج إلى السجود على الثوب، أو إلى تبريد الحصى؛ لأنه قد يستمرّ حره بعد الإبراد، وتكون فائدة الإبراد وجود ظل يُمشَى فيه إلى المسجد، أو يُصَلَّى فيه في المسجد، أشار إلى هذا الجمع القرطبي، ثم ابن دقيق العيد رحمهما الله تعالى، وهو أولى من دعوى تعارض الحديثين. انتهى (٢).

(ومنها): أن قول الصحابي: "كنا نفعل كذا" من قبيل المرفوع، لاتفاق الشيخين على تخريج هذا الحديث في "صحيحيهما"، بل ومعظم المصنفين، لكن قد يقال: إن في هذا زيادة على مجرد الصيغة، لكونه في الصلاة خلف النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد كان يرى فيها مَنْ خلفه كما يرى مَنْ أَمَامه، فيكون تقريره فيه مأخوذا من هذه الطريق، لا من مجرد صيغة "كنا نفعل". قاله في "الفتح" (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.


(١) "إحكام الأحكام" ج ٢ ص ٥٠٧ - ٥٠٩.
(٢) "فتح" ج ٢ ص ٤٩.
(٣) ج ٢ ص ٤٩.