للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

وأجيب بأن "وجب" في اللغة لم ينحصر في السقوط، بل ورد بمعنى "مات"، وبمعنى "اضطرب"، وبمعنى "لزم"، وعْير ذلك، والذي يتبادر إلى الفهم منها في الأحاديث أنها بمعنى "لزم"، لاسيما إذا سيقت لبيان الحكم.

وقد تقدّم في بعض طرق حديث ابن عمر "الجمعة واجبة على كلّ محتلم"، وهو بمعنى اللزوم قطعًا، ويؤيده أن في بعض طرق حديث الباب "واجب كغسل الجنابة". أخرجه ابن حبان من طريق الدراورديّ عن صفوان بن سُليم، وظاهره اللزوم.

وأجاب عنه بعض القائلين بالندبية بأن التشبيه في الكيفية، لا في الحكم.

وقال ابن الجوزي: يحتمل أن تكون لفظة "الوجوب" مغيّرة من بعض الرواة، أو ثابتة، ونسخ الوجوب.

ورد بأن الطعن في الروايات الثابتة بالظن الذي لا مستند له لا يُقبل، والنسخ لا يُصار إليه إلا بدليل

ومجموع الأحاديث يدلّ على استمرار الحكم، فإن حديث عائشة أن ذلك كان في أول الحال، حيث كانوا مجهودين، وأبو هريرة، وابن عباس إنما صحبا النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد أن حصل التوسع بالنسبة إلى ما كانوا فيه أوّلًا، ومع ذلك، فقد سمع كلّ منهما منه -صلى الله عليه وسلم- الأمر بالغسل، والحثّ عليه، والترغيب فيه، فكيف يُدَّعَى النسخ بعد ذلك؟. انتهى ما في "الفتح" (١).

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر كلام الحافظ رحمه الله تعالى أنه يميل إلى ترجيح القول بوجوب غسل الجمعة، وهو الواضح من الأدلّة المتقدّمة، لكن لمّا قامت الأدلة الصارفة عن الوجوب -كما تقدم تفصيلها، في كلام الحافظ رحمه الله تعالى- تعين القول بالاستحباب الأكيد.

وتلك الأدلّة وإن كان في بعضها مقال، إلا أن مجموعها صالح لصرف الوجوب إلى الاستحباب، كما لا يخفى على من تأمل ذلك، ولاسيما حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عند مسلم، مرفوعًا: "من توضأ يوم الجمعة، فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة … " الحديث، فإنه صريح في الاجتزاء بالوضوء عن الغسل، وكقصة عمر مع عثمان رضي الله تعالى عنهما بمحضر جم غفير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وغير ذلك من الأدلة: المتقدم ذكرها في كلام الحافظ رحمه الله تعالى.

ولقد أجاد القول في هذه المسألة العلامة الشوكاني في كتابه "السيل الجرّار" (٢) فقال:


(١) جـ ٣ ص ١٣ - ١٦.
(٢) هذا خلاف ما رجحه في "نيل الأوطار"، فقد مال فيه إلى ترجيح القول بالوجوب، فراجعه جـ ١ ص ٣٤٩ - ٣٥١.