للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

ثم قميصه، ثم إزاره، حتى تخلُص إلى جلده أحبّ إليّ من أن يجلس على قبر.

وروى الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، أن أبا الخير حدثه أن عقبة بن عامر قال: لأن أطأ على جمرة، أو على حدّ سيف حتى يخطف رجلي أحبّ إليّ من أن أمشي على مسلم، وما أبالي في القبور قضيت حاجتي، أو في السوق، والناس ينظرون. وقال مالك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وإنما نهي عن القعود على القبور، فيما نُرى للمذاهب، يريد حاجة الإنسان. وحجته أن علي بن أبي طالب كان يتوسّد القبور، ويضطجع عليها.

وروى أبو أمامة بن سهل بن حُنيف أن زيد بن ثابت - رضي اللَّه عنه - قال له: هلمّ يا ابن أخي إنما نَهَى رسولُ اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم - عن الجلوس على القبر لحدثِ بولٍ، أو غائط. انتهى كلام أبي عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، بتصرّف، واختصار (١).

وقال النووي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: المراد بالجلوس القعود عند الجمهور، وقال مالك: المراد بالقعود الحدث. وهو تأويل ضعيف، أو باطل انتهى.

قال في "الفتح": وهو يوهم انفراد مالك بذلك، وكذا أوهمه كلام ابن الجوزيّ، حيث قال: جمهور الفقهاء على الكراهة، خلافًا لمالك. وصرّح النوويّ في "شرح المهذّب" بأن مذهب أبي حنيفة كالجمهور، وليس كذلك، بل مذهب أبي حنيفة، وأصحابه كقول مالك، كما نقله عنهم الطحاويّ، واحتجّ له بما أخرجه من طريق بكير ابن عبد اللَّه بن الأشجّ، أن نافعًا حدثه: أنّ عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه عنهما - كان يجلس على القبور. وأخرج عن عليّ نحوه. وعن زيد بن ثابت، مرفوعًا: "إنما نهى النبيّ - صلى اللَّه عليه وسلم - عن الجلوس على القبور لحدث غائط، أو بول". ورجال إسناده ثقات.

ويؤيّد قول الجمهور ما أخرجه أحمد، من حديث عمرو بن حزم الأنصاريّ، مرفوعًا: "لا تقعدوا على القبور"، وفي رواية له، عنه: "رآني رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم -، وأنا متكئ على قبر، فقال: "لا تؤذ صاحب القبر". وإسناده صحيح (٢). وهو دالّ على أن المراد بالجلوس القعود على حقيقته. وردّ ابن حزم التأويل المتقدّم بأن لفظ حديث أبي هريرة - رضي اللَّه عنه -: "لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتُحرق ثيابه، فتخلُص إلى جلده … "، قال: وما عهدنا أحدًا يقعد على ثيابه للغائط، فدلّ على أن المراد القعود على حقيقته. وقال ابن بطّال: التأويل المذكور بعيد؛ لأن الحدث على القبر أقبح من أن يُكرَه، وإنما


(١) - "الاستذكار" ج ٨ ص ٣٠٦ - ٣٠٨.
(٢) - ليس كما قال، بل في إسناد الحديث الأول النضر بن عبد اللَّه السلمي، وهو مجهول، وفي إسناد الثاني عبد اللَّه بن لهيعة، والكلام فيه معروف. لكن متن الحديث صحيح بشواهده، كما سيأتي، إن شاء اللَّه تعالى.