للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

آخرون، فظنّوا أنه شرع الآن في ذلك الوقت؛ لأنهم لم يسمعوا إهلاله بالمسجد، فقالوا: إنما أهلّ عند ما استقلّت به راحلته، ثم رَوَى كذلك من سمعه يُهلّ على شرف البيداء.

وإلى هذا الجمع مال ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-، حيث قال: صلّى رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم - الظهر ركعتين، ثم أهلّ بالحجّ والعمرة في مصلّاه، ثم ركب على ناقته، وأهلّ أيضًا، ثمّ أهلّ لَمّا استقلّت به على البيداء انتهى مختصرًا ملخّصًا (١).

ويؤيّد هذا الجمع ما رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم، والبيهقيّ، والطحاويّ، ولفظ أحمد:

٢٣٥٤ - حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثنا خصيف بن عبد الرحمن الجزريّ، عن سعيد بن جبير، قال: قلت لعبد اللَّه بن عباس: يا أبا العباس، عجبًا لاختلاف أصحاب رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم -، في إهلال رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم -، حين أوجب، فقال: إني لأعلم الناس بذلك، إنها إنما كانت من رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم - حجة واحدة، فمن هنالك اختلفوا.

"خرج رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم - حاجا، فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه، أوجب في مجلسه، فأهل بالحج، حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام، فحفظوا عنه، ثم ركب، فلما استقلت به ناقته أهلّ، وأدرك ذلك منه أقوام، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالا، فسمعوه حين استقلت به ناقته يُهلّ، فقالوا: إنما أهل رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم -، حين استقلت به ناقته، ثم مضى رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم -، فلما علا على شَرَف البيداء أهلّ، وأدرك ذلك منه أقوام، فقالوا: إنما أهلّ رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم -، حين علا على شرف البيداء، وايم اللَّه لقد أوجب في مصلاه، وأهلّ حين استقلت به ناقته، وأهل حين علا على شرف البيداء، فمن أخذ بقول عبد اللَّه بن عباس أهلّ في مصلاه إذا فرغ من ركعتيه" (٢).

قال الطحاويّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد روايته حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور: فبيّن عبد اللَّه بن عبّاس الوجه الذي منه جاء اختلافهم، وأن إهلال النبيّ - صلى اللَّه عليه وسلم - الذي ابتدأ به الحجّ، ودخل به فيه كان في مصلاّه، فبهذا نأخذ، ينبغي للرجل إذا أراد الإحرام أن يصلي ركعتين، ثم يُحرم في دبرهما، كما فَعَل رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم -، وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد انتهى.


(١) - راجع "زاد المعاد" ٢/ ١٥٨ تحقيق الأرنؤط.
(٢) - قوله: "فمن أخذ بقول ابن عبّاس الخ من قول سعيد بن جبير، كما بينه أبو داود، في "سننه"،والحاكم في "مستدركه", ١/ ٤٥١.