للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

السماع والعَرْض، فسألوا عن كيفية عرض صلاة من يُصلي عليه بعد الموت، وعلى هذا فقولهم: "وقد أرمت" كناية عن الموت، والجواب بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله حرم الخ" كناية عن كون الأنبياء أحياءً في قبورهم، أو بيان لما هو خرق للعادة المستمرّة بطريق التمثيل، أي ليجعلوه مقيسًا عليه للعرض بعد الموت الذي هو خلاف العادة المستمرّة.

ويحتمل أن المانع من العرض عندهم فناء البدن، لا مجرّد الموت، ومفارقة الروح البدنَ، لجواز عود الروح إلى البدن ما دام سالما عن التغيّر الكثير، فأشار -صلى الله عليه وسلم- إلى بقاء بدن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهذا ظاهر السؤال والجواب.

بقي أن السؤال منهم على هذا الوجه يُشعر بأنهم ما علموا أن العرض على الروح المجرّد ممكن، فينبغي أن يُبيّن لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه يمكن العرض على الروح المجرّد، ليعلموا ذلك.

ويمكن الجواب عن ذلك بأن سؤالهم يقتضي أمرين: مساواة الأنبياء عليهم السلام لغيرهم بعد الموت، وأن العرض لا يمكن على الروح المجرد، والاعتقاد الأول أسوأ، فأرشدهم -صلى الله عليه وسلم- بالجواب إلى ما يُزيله، وأَخّر ما يزيل الثاني إلى وقت يُناسبه تدريجًا في التعليم (١). والله تعالى أعلم انتهى كلام السنديّ رحمه الله تعالى (٢).

(-أَيْ يَقُولُون: قَدْ بَليتَ-) "أي" تفسيرية، ولفظ أبي داود: "قال: يقولون: بليت"، بدون "أي". والظاهر أن التفسير من أوس -رضي الله عنه-، ويحتمل أن يكون من غيره، أي يقصدُ الصحابة -رضي الله عنهم- بقولهم: "أرمت" بليت -بفتح الباء الموحدة، وكسر اللام- أي فَنيتَ، يقال: بلي الثوبُ يبلَى، من باب تَعبَ بلى بالكسر والقصر، وبَلاءً، بالفتح والمدّ: خَلُقَ، فهو بال، وبلي الميتُ: أفنته الأرض. قاله الفيّوِمي (٣).

(قَالَ) أي النبي -صلى الله عليه وسلم- (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) أي منعها من أن تعتدي على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأكل أجسادهم، كما تأكل أجسادَ سائر الناس، لكونهم أحياء في قبورهم، تكريمًا لهم، وتفضيلًا على غيرهم. والله تعالى أعلم.

[تنبيه]: قال صاحب "المنهل العذب المورود": ألحق بعضهم شُهداءَ المعركة الذين قاتلوا لإعلاء كلمة الله عزّ وجلّ، بالأنبياء في ذلك -يعني عدم أكل الأرض أجسادهم-


(١) قال الجامع: قوله: "وأخر ما يزيل إلخ" فيه نظر؛ لا يخفى؛ إذ هو مجرد احتمال لا مستند له، {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}. والله تعالى أعلم.
(٢) "شرح السندي" جـ ٣ ص ٩١ - ٩٢.
(٣) "المصباح المنير" جـ ١ ص ٦٢.