للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فإذا كان الله عز وجل هو المنفرد بخلقه دون مشاركة فعل طبع أو تأثير فلك، فولده ومن سواهم على حكمه كذلك. وقد قيل في ذلك وجه رابع وهو أن فائدة الحديث تكذيب القدرية فيما زعمت من أن صفات آدم منها ما خلقها الله تعالى، ومنها ما خلقها آدم لنفسه، فأخبر النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بتكذيبهم وأن الله خلق آدم على جميع صورته وصفاته ومعانيه وأعراضه. وهذا كما تقول: عرفني هذا الأمر على صورته إذا أردت أن تعرفه على الاستيفاء والاستقصاء دون الاستثناء. وقد قيل فيه وجه خامس وهو أن يكون معناه إشارة إلى ما يعتقده أهل السنة من أن الله عز وجل خلق السعيد سعيدا والشقي شقيا، فخلق آدم على ما علمه وأراد أن يكون عليه من أنه يعصي ثم يتوب فيتوب الله عز وجل عليه. ففي الحديث دليل على أن أحوال العبد تتغير على حسب ما يخلق عليه وييسر له من الخير والشر، وأن كل شيء بقضاء وقدر. وقد قيل إن الكناية في قوله على صورته راجعة إلى بعض المشاهدين من الناس، وأن المعنى في ذلك والفائدة فيه هو الإعلام بأن صورة آدم كانت على هذه الصورة إبطالا لقول من زعم أنها كانت مباينة لخلق الناس على الحد الزائد يخرج عن المعهود من متعارف خلق البشر، إذ لا يأتي ذلك من وجه صحيح يوثق به.

وأما الرواية الثانية التي جاءت وهي: «إن الله خلق آدم على صورة الرحمن» فقد ذكرنا أن بعض أهل النقل لا يصحح الرواية بذلك، وأن الراوي لها ساق الحديث على ما ظنه من معناه. وقد قال بعض الناس إن ذلك لا يصح أيضا من طريق اللسان، لأن الاسم إذا تقدم فأعيد ذكره كني عنه بالهاء من غير أن يعاد الاسم. ألا ترى أنك تقول إذا أخبرت عن ضرب رجل لعبده: ضرب زيد غلامه ولا تقول: ضرب زيد غلام زيد، لأنك لو قلت ضرب زيد غلام زيد لفهم من قولك أنه لم يضرب غلامه وإنما ضرب غلام

<<  <  ج: ص:  >  >>