الّذي قاله غريب، والحجب التي ذكرها لإبراهيم ﵇ لا أدرى ما هي، كيف وقد ألقاه في النار التي نجاه الله منها، وأما ما ذكره من الحجب التي استدل عليها بهذه الآيات، فقد قيل: إنها جميعها معنوية لا حسية، بمعنى أنهم مصرفون عن الحق، لا يصل إليهم، ولا يخلص إلى قلوبهم، كما قال تعالى: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ وقد حررنا ذلك في التفسير، وقد ذكرنا في السيرة وفي التفسير أن أم جميل امرأة أبى لهب، لما نزلت السورة في ذمها وذم زوجها، ودخولهما النار، وخسارهما، جاءت بفهر - وهو الحجر الكبير - لترجم النبي ﷺ، فانتهت إلى أبى بكر وهو جالس عند النبي ﷺ فلم تر رسول الله ﷺ، وقالت لأبى بكر: أين صاحبك؟ فقال: وما له؟ فقالت: إنه هجاني، فقال: ما هجاك، فقالت: والله لئن رأيته لأضربنه بهذا الفهر، ثم رجعت وهي تقول: مذممّا أتينا * ودينه قلينا * وكذلك حجب ومنع أبا جهل حين هم أن يطأ برجله رأس النبي ﷺ وهو ساجد، فرأى جدثا من نار وهولا عظيما وأجنحة الملائكة دونه، فرجع القهقرى وهو يتقى بيديه،
فقالت له قريش: مالك، ويحك؟ فأخبرهم بما رأى، وقال النبي ﷺ: لو أقدم لاختطفته الملائكة عضوا عضوا * وكذلك لما خرج رسول الله ﷺ ليلة الهجرة وقد أرصدوا على مدرجته وطريقه، وأرسلوا إلى بيته رجالا يحرسونه لئلا يخرج، ومتى عاينوه قتلوه، فأمر عليا فنام على فراشه، ثم خرج عليهم وهم جلوس، فجعل يذر على رأس كل إنسان منهم ترابا ويقول: شاهت الوجوه، فلم يروه حتى صار هو وأبو بكر الصديق إلى غار ثور، كما بسطنا ذلك في السيرة، وكذلك ذكرنا أن العنكبوت سد على باب الغار ليعمى الله عليهم مكانه،
وفي الصحيح أن أبا بكر قال: يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لأبصرنا، فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ وقد قال بعض الشعراء في ذلك:
نسج داود ما حمى صاحب الغار … وكان الفخار للعنكبوت
وكذلك حجب ومنع من سراقة بن مالك بن جعشم حين اتبعهم، بسقوط قوائم فرسه في الأرض حتى أخذ منه أمانا كما تقدم بسطه في الهجرة * وذكر ابن حامد في كتابه في مقابلة إضجاع إبراهيم ﵇ ولده للذبح مستسلما لأمر الله تعالى، ببذل رسول الله ﷺ نفسه للقتل يوم أحد وغيره حتى نال منه العدو ما نالوا، من هشم رأسه، وكسر ثنيته اليمنى السفلى، كما تقدم بسط ذلك في السيرة * ثم قال: قالوا: كان إبراهيم ﵇ ألقاه قومه في النار فجعلها الله بردا وسلاما، قلنا:
وقد أوتى رسول الله ﷺ مثله، وذلك أنه لما نزل بخيبر سمته الخيبرية، فصير ذلك السم في جوفه بردا وسلاما إلى منتهى أجله، والسم عرق إذ لا يستقر في الجوف كما تحرق النار * قلت: وقد تقدم الحديث بذلك في فتح خيبر، ويؤيد ما قاله أن بشر بن البراء بن معرور مات سريعا من تلك