للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

الخوف منه ... والتّخوّف ظهور الخوف من الإنسان، قال أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ (النحل/ ٤٧) . والخيفة الحالة الّتي عليها الإنسان من الخوف، قال تعالى: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (طه/ ٦) ، والتّخويف من الله تعالى هو الحثّ على التّحرّز، وعلى ذلك قوله- تعالى-: ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ (الزمر/ ١٦) والخوف من الله لا يراد به ما يخطر بالبال من الرّعب كاستشعار الخوف من الأسد؛ بل إنّما يراد به الكفّ عن المعاصي واختيار الطّاعات، ولذلك قيل: لا يعدّ خائفا من لم يكن للذّنوب تاركا «١» . ومن ذلك قول عمر- رضي الله عنه-: «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه» «٢» .

[واصطلاحا:]

عرّفه العلماء عدّة تعريفات تبعا لاختلاف نظرة كلّ منهم، فيقول الرّاغب: الخوف: توقّع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة. ويضادّه الأمن، ويستعمل ذلك في الأمور الدّنيويّة والأخرويّة «٣» .

ويقول الجرجانيّ: الخوف توقّع حلول مكروه أو فوات محبوب «٤» . وقيل: اضطراب القلب وحركته من تذكّر المخوف، وقيل: فزع القلب من مكروه يناله أو من محبوب يفوته «٥» .

[منزلة الخوف:]

قال ابن رجب الحنبليّ- رحمه الله-: إنّ الله خلق الخلق ليعرفوه ويعبدوه ويخشوه ويخافوه، ونصب لهم الأدلّة الدّالّة على عظمته وكبريائه ليهابوه ويخافوه خوف الإجلال، ووصف لهم شدّة عذابه ودار عقابه الّتي أعدّها لمن عصاه ليتّقوه بصالح الأعمال، ولهذا كرّر سبحانه وتعالى- في كتابه ذكر النّار وما أعدّه فيها لأعدائه من العذاب والنّكال، وما احتوت عليه من الزّقّوم والضّريع والحميم والسّلاسل والأغلال، إلى غير ذلك ممّا فيها من العظائم والأهوال، ودعا عباده بذلك إلى خشيته وتقواه والمسارعة إلى امتثال ما يأمر به ويحبّه ويرضاه، واجتناب ما ينهى عنه ويكرهه ويأباه، فمن تأمّل الكتاب الكريم وأدار فكره فيه وجد من ذلك العجب العجاب، وكذلك السّنّة الصّحيحة الّتي هي مفسّرة ومبيّنة لمعاني الكتاب، وكذلك سير السّلف الصّالح أهل العلم والإيمان من الصّحابة والتّابعين لهم بإحسان، من تأمّلها علم أحوال القوم وما كانوا عليه من الخوف والخشية والإخبات، وأنّ ذلك هو الّذي رقّاهم إلى تلك الأحوال الشّريفة والمقامات السّنيّات، من شدّة الاجتهاد في الطّاعات والانكفاف عن دقائق الأعمال والمكروهات فضلا عن المحرّمات «٦» .

وقال- رحمه الله-: القدر الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإن زاد على ذلك، بحيث صار باعثا للنّفوس على التّشمير في نوافل الطّاعات والانكفاف عن دقائق المكروهات والتّبسّط في فضول المباحات، كان ذلك فضلا محمودا، فإن تزايد على ذلك بأن أورث مرضا أو موتا، أو همّا لازما، بحيث يقطع عن السّعي في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة لله- عزّ وجلّ- لم يكن محمودا «٧» .


(١) المفردات للراغب (١٦١، ١٦٢) ببعض تصرف.
(٢) اللسان «خوف» (٩/ ١٠٠) .
(٣) المفردات (١٦١) .
(٤) التعريفات (١٠١) .
(٥) دليل الفالحين لابن علان (٢/ ٢٨٥) .
(٦) التخويف من النار لابن رجب (٦، ٧) .
(٧) التخويف من النار لابن رجب (٢١) .