للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يطارده مع عدد من الصحابة، إلى أن وصلوا وادي سفوان من نواحي بدر، وتمكن كرز الفهري من الإفلات من حملة المطاردة، وقد تأكد من جرّاء هذا الحادث ضرورة توثيق المسلمين لعلاقاتهم مع القبائل المجاورة للمدينة «١» . وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم قد استعمل على المدينة زيد بن حارثة «٢» .

سريّة عبد الله بن جحش إلى نخلة:

أراد الرسول صلّى الله عليه وسلّم أن يربك قريشا ويضيق عليها في تجارتها، ولذلك فإنه صلّى الله عليه وسلّم لم يقتصر في تعرضه لتجارة قريش على الشام وإليها، وإنما وسّع ذلك ليشمل طرق تجارتها مع اليمن أيضا، ولذلك فقد بعث عبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي عند عودته من غزوة بدر الصغرى، وأرسل معه ثمانية من المهاجرين، ليس فيهم أحد من الأنصار، وكتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه، «فيمضي لما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحدا» . وقد نفذ عبد الله بن جحش توجيهات الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وتبين له أنه قد أمره بالتوجه إلى نخلة- بين الطائف ومكة- ليرصد قريشا ويعلم أخبارهم وألّا يستكره أحدا ممن كانوا معه. غير أن أحدا منهم لم يتخلّف عن تنفيذ أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولكنهم تعرضوا لقافلة تجارية قرشية، فظفروا بها وقتلوا قائدها، وأسروا اثنين من رجالها وعادوا بها وبالأسرى إلى المدينة «٣» . وقد أبى النبي صلّى الله عليه وسلّم تسلم الغنيمة وقال لعبد الله بن جحش وأصحابه: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام» وظن القوم أنهم هلكوا.

استغلت قريش حصول هذه الحادثة في الشهر الحرام، فأثارت ضجة إعلامية كبيرة أعلنت فيها أن المسلمين ينتهكون حرمة الأشهر الحرم، وكان لذلك أثره الخطير على نظرة القبائل العربية والحواضر إلى المسلمين، فالحادثة تمثل خروجا على المألوف، وهي خرق للأعراف التي التزم بها العرب في منع الاقتتال في الأشهر الحرم فترة طويلة قبل الإسلام. ولكن لما كثر الكلام في ذلك، أنزل الله تعالى حكمه في ذلك، قال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ* إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «٤» . وعند ذلك تسلم الرسول صلّى الله عليه وسلّم الغنائم، وفادى الأسيرين مع قريش «٥» .


(١) ابن هشام- السيرة ١/ ٦٠١، الواقدي- مغازي ١/ ١٢، ابن سعد- الطبقات ٢/ ٩، وانظر: خليفة بن خياط- تاريخ ص ٥٧.
(٢) ابن هشام- السيرة ١/ ٦٠١ برواية بدون اسناد.
(٣) خليفة بن خياط- التاريخ ص/ ٦٣، وذكر ابن حجر في الإصابة ٢/ ٢٧٨ أن قصة هذه السرية قد خرجها الطبراني، وانظر: الهيثمي- مجمع الزوائد ٦/ ٦٦- ٦٧، ابن هشام- السيرة ١/ ٦٠١- ٦٠٥، ابن كثير- البداية ٣/ ٢٧٤، التفسير ١/ ٣٦٨- ٣٦٩.
(٤) القرآن الكريم- سورة البقرة، الآيات/ ٢١٧- ٢١٨.
(٥) ابن كثير- التفسير ١/ ٣٦٨- ٩. وانظر: ابن هشام- السيرة ١/ ٦٠١- ٦٠٥، من مراسيل عروة بن الزبير، البيهقي- السنن ٩/ ١٢، ٥٨- ٥٩، بسند صحيح إلى عروة، ابن كثير- البداية ١/ ٢٥١.