للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

المثل التطبيقي من حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم في (الطمأنينة)

١٩-* (عن عائشة- رضي الله عنها- أنّها قالت: أوّل ما بدأ به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الوحي الرّؤيا الصّادقة في النّوم. فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءته مثل فلق الصّبح. فكان يأتي حراء فيتحنّث فيه- وهو التّعبّد- اللّيالي ذوات العدد. ويتزوّد لذلك ثمّ يرجع إلى خديجة فتزوّده لمثلها. حتّى فجئه الحقّ وهو في غار حراء، فجاءه الملك فيه فقال: اقرأ. فقال له النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «ما أنا بقارىء» فأخذني فغطّني «١» حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني. فقال: اقرأ. فقلت: «ما أنا بقارىء. فأخذني فغطّني الثّانية حتّى بلغ منّي الجهد ثمّ أرسلني. فقال: اقرأ. فقلت: «ما أنا بقارئ» فأخذني فغطّني الثّالثة حتّى بلغ منّي الجهد. ثمّ أرسلني. فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ حتّى بلغ ما لَمْ يَعْلَمْ (العلق/ ١- ٥) . فرجع بها ترجف بوادره «٢» حتّى دخل على خديجة. فقال: زمّلوني، زمّلوني «٣» » فزمّلوه حتّى ذهب عنه الرّوع. فقال:

«يا خديجة! مالي؟» ، وأخبرها الخبر. وقال: «قد خشيت على نفسي» فقالت له كلّا. أبشر. فو الله لا يخزيك الله أبدا. إنّك لتصل الرّحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلّ «٤» ، وتقري الضّيف، وتعين على نوائب الحقّ ثمّ انطلقت به خديجة حتّى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد ابن عبد العزّى بن قصيّ،- وهو ابن عمّ خديجة أخي أبيها، وكان امرآ تنصّر في الجاهليّة، وكان يكتب الكتاب العربيّ، فيكتب بالعربيّة من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي. فقالت له خديجة: أي ابن عمّ، اسمع من ابن أخيك. فقال ورقة: ابن أخي! ماذا ترى؟. فأخبره النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ما رأى. فقال ورقة: هذا النّاموس الّذي أنزل على موسى، يا ليتني فيها جذعا «٥» ، أكون حيّا حين يخرجك قومك. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أو مخرجيّ هم؟» . فقال ورقة: نعم، لم يأت رجل قطّ بما جئت به إلّا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزّرا. ثمّ لم ينشب «٦» ورقة أن توفّي، وفتر الوحي فترة حتّى حزن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم- فيما بلغنا- حزنا غدا منه مرارا كي يتردّى من رؤوس شواهق الجبال، فكلّما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدّى له جبريل فقال: يا محمّد! إنّك رسول الله حقّا. فيسكن لذلك جأشه «٧» وتقرّ نفسه فيرجع. فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فإذا أوفى بذروة جبل تبدّى له جبريل فقال له مثل ذلك) * «٨» .


(١) فغطّني: عصرني عصرا شديدا.
(٢) بوادره: هي اللحمة بين المنكب والعنق.
(٣) زمّلوني: أي لفّوني وغطّوني.
(٤) الكلّ: الضّعيف.
(٥) جذعا: أي شابّا حدث السّنّ.
(٦) ينشب: يلبث.
(٧) الجأش: النفس أو القلب.
(٨) البخاري- الفتح ١٢ (٦٩٨٢) واللفظ له. ومسلم (١٦٠) .