للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

حديث عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما- قال له النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «يحسبك أن تصوم من كلّ شهر ثلاثة أيّام» قال ابن الأثير: يكفيك ولو روي «بحسبك أن تصوم» أي كفايتك، أو كافيك، كقولهم: بحسبك قول السّوء (والباء زائدة) لكان وجها.

والإحساب الكفاية، وفي أسماء الله تعالى:

الحسيب وهو الكافي- فعيل بمعنى مفعل- من أحسبني الشّيء إذا كفاني، وقولهم: أحسبته (بالهمز) وحسّبته (بالتّشديد) أعطيته ما يرضيه حتّى يقول:

«حسبي» «١» . وقول الله تعالى: فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (آل عمران/ ١٧٣) قال القرطبيّ في تفسيره «٢» : المعنى كافينا الله من الإحساب وهو الكفاية، قال الشّاعر:

فتملأ بيتنا أقطا وسمنا ... وحسبك من غنى شبع وريّ

روي عن ابن عبّاس في هذه الآية قال: قالها إبراهيم الخليل- عليه السّلام- حين ألقي في النّار، وقالها محمّد صلّى الله عليه وسلّم حين قال النّاس (من المنافقين، وقيل ركب عبد القيس الّذين مرّوا بأبي سفيان فدسّهم إلى المسلمين ليثبّطوهم) : إِنَّ النَّاسَ (أي أبو سفيان ومن معه) قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ «٣» ، وقال الطّبريّ في قوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ المعنى فإن تولّى يا محمّد هؤلاء الّذين جئتهم بالحقّ فأدبروا عنك ولم يقبلوا ما أتيتهم به من النّصيحة في الله فقل: حسبي الله (يعني) يكفيني ربّي لا إله إلّا هو لا معبود سواه، عليه توكّلت وبه وثقت، وعلى عونه اتّكلت، وإليه وإلى نصره استندت لأنّه ناصري ومعيني على من خالفني وتولّى عنّي منكم ومن غيركم من النّاس وهو ربّ العرش العظيم.

[الاحتساب اصطلاحا:]

قال الكفويّ: الاحتساب: هو طلب الأجر من الله تعالى بالصّبر على البلاء مطمئنّة نفس المحتسب غير كارهة لما نزل بها من البلاء «٤» .

وقال ابن الأثير: الاحتساب في الأعمال الصّالحة وعند المكروهات هو البدار إلى طلب الأجر وتحصيله بالتّسليم والصّبر، أو باستعمال أنواع البرّ والقيام بها على الوجه المرسوم فيها طلبا للثّواب المرجوّ منها «٥» .

إنّه إذا كان الاحتساب بمعناه الّذي ذكره الكفويّ، أو بمعنييه اللّذين ذكرهما ابن الأثير يعني أن يعدّ الإنسان صبره في المكاره وعمله الطّاعة ضمن ما له عند الله- عزّ وجلّ-، فإنّ اكتفاء الإنسان بالله تعالى وثقته به واتّكاله في نصرته على عونه كما يفهم من كلام الطّبريّ «٦» ، نوع من الاحتساب، كما أنّ رضا


(١) النهاية لابن الأثير (١/ ٣٨١) وانظر اللسان (١/ ٣١٢) .
(٢) تفسير القرطبي (٤/ ٢٧٩- ٢٨٢) باختصار وتصرف.
(٣) تفسير الطبري (٧/ ٥٦) باختصار.
(٤) في الأصل «مطمئنة نفسه غير كارهة له» وقد تصرفنا في العبارة بما يوضحها. انظر: الكليات للكفوي (ص ٥٧) ، ويلاحظ أنه قد اقتصر على معنى واحد فقط للاحتساب وهو طلب الأجر عند الصبر على البلاء.
(٥) النهاية لابن الأثير (١/ ٣٨٢) .
(٦) انظر: تفسير الطبرى لقوله تعالى في آخر سورة التوبة: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ... وقد نقلنا خلاصته آنفا فارجع إليه.