للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

والزّنادقة فرقة متشبّهة مبطلة متّصلة بالمجذوبين «١» .

[حكم الزندقة:]

الزّندقة كفر، والزّنديق كافر، لأنّه مع وجود الاعتراف بنبوّة سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم يكون في عقائده كفر وهذا بالاتّفاق «٢» .

[حقيقة الزندقة:]

قال الحافظ ابن حجر- رحمه الله تعالى-:

الزّنادقة جمع زنديق، وقال: قال أبو حاتم السّجستانيّ وغيره: الزّنديق: فارسيّ معرّب أصله «زنده كرداي» يقول بدوام الدّهر لأنّ (زنده) الحياة و (كرد) العمل، ويطلق على من يكون دقيق النّظر في الأمور. وقال ثعلب: ليس في كلام العرب زنديق وإنّما قالوا زندقيّ لمن يكون شديد التّحيّل، وإذا أرادوا ما تريد العامّة قالوا ملحد ودهريّ أي يقول بدوام الدّهر، وقال الجوهريّ: الزّنديق من الثّنويّة. وفسّره بعض الشّرّاح بأنّه الّذي يدّعي أنّ مع الله إلها آخر، وتعقّب بأنّه يلزم منه أن يطلق على كلّ مشرك. ثمّ قال: والتّحقيق أنّ أصل الزّنادقة أتباع ديصان ثمّ ماني ثمّ مزدك.

وحاصل مقالتهم أنّ النّور والظّلمة قديمان وأنّهما امتزجا فحدث العالم كلّه منهما، فمن كان من أهل الشّرّ فهو من الظّلمة ومن كان من أهل الخير فهو من النّور. وأنّه يجب السّعي في تخليص النّور من الظّلمة فيلزم إزهاق كلّ نفس. وكان بهرام جدّ كسرى تحيّل على ماني حتّى حضر عنده وأظهر له أنّه قبل مقالته ثمّ قتله وقتل أصحابه وبقيت منهم بقيّة اتّبعوا مزدك، وقام الإسلام والزّنديق يطلق على من يعتقد ذلك، وأظهر جماعة منهم الإسلام خشية القتل ومن ثمّ أطلق الاسم على كلّ من أسرّ الكفر وأظهر الإسلام حتّى قال مالك: الزّندقة ما كان عليه المنافقون وكذا أطلق جماعة من الفقهاء الشّافعيّة وغيرهم أنّ الزّنديق هو الّذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر.

ونقل ابن حجر عن النّوويّ قوله: الزّنديق الّذي لا ينتحل دينا.

ونقل أيضا عن محمّد بن معن قوله: الزّنادقة من الثّنويّة يقولون ببقاء الدّهر وبالتّناسخ. قال: ومن الزّنادقة: الباطنيّة، وهم قوم زعموا أنّ الله خلق شيئا ثمّ خلق منه شيئا آخر. فدبّر العالم بأسره ويسمّونهما العقل والنّفس وتارة العقل الأوّل والعقل الثّاني، وهو من قول الثّنويّة في النّور والظّلمة إلّا أنّهم غيّروا الاسمين، وقال محمّد بن معن ولهم مقالات سخيفة في النّبوّات وتحريف الآيات وفرائض العبادات، وقد قيل إنّ سبب تفسير الفقهاء الزّنديق بما يفسّر به المنافق قول الشّافعيّ في كتابه «المختصر» : وأيّ كفر ارتدّ إليه ممّا يظهر أو يسرّ من الزّندقة وغيرها ثمّ تاب سقط عنه القتل، وهذا لا يلزم منه اتّحاد الزّنديق والمنافق بل كلّ زنديق منافق ولا عكس. وكان من أطلق عليه في الكتاب والسّنّة المنافق يظهر الإسلام ويبطن عبادة الوثن أو اليهوديّة، وأمّا الثّنويّة فلا يحفظ أنّ أحدا


(١) كشاف اصطلاحات الفنون (٣/ ١١٧) .
(٢) المرجع السابق نفسه، والصفحة نفسها.