للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[الحقد داء دفين يفتك بالأفراد والمجتمعات:]

قال بعض العلماء: ليس أروح للمرء، ولا أطرد لهمومه، ولا أقرّ لعينه من أن يعيش سليم القلب، مبرّأ من وساوس الضغينة، وثوران الأحقاد، إذا رأى نعمة تنساق لأحد رضي بها، وأحسّ فضل الله فيها، وفقر عباده إليها، وإذا رأى أذى يلحق أحدا من خلق الله رثى له، ورجا الله أن يفرّج كربه ويغفر ذنبه، وبذلك يحيا المسلم ناصع الصفحة، راضيا عن الله وعن الحياة، مستريح النفس من نزعات الحقد الأعمى، ذلك أنّ فساد القلب بالضّغائن داء عضال، وما أسرع أن يتسرّب الإيمان من القلب المغشوش، كما يتسرّب السائل من الإناء المثلوم.

إنّ الشيطان ربّما عجز أن يجعل من الرجل العاقل عابد صنم، ولكنّه- وهو الحريص على إغواء الإنسان وإيراده المهالك لن يعجز عن المباعدة بينه وبين ربّه، حتّى يجهل حقوقه أشدّ ممّا يجهلها الوثنيّ المخرّف، وهو يحتال لذلك بإيقاد نار العداوة في القلوب، فإذا اشتعلت استمتع الشيطان برؤيتها وهي تحرق حاضر الناس ومستقبلهم، وتلتهم علائقهم وفضائلهم، ذلك أنّ الشرّ إذا تمكّن من الأفئدة (الحاقدة) تنافر ودّها وارتدّ الناس إلى حال من القسوة والعناد، يقطعون فيها ما أمر الله به أن يوصل، ويفسدون في الأرض.

إنّ الحقد هو المصدر الدفين لكثير من الرذائل الّتي رهّب منها الإسلام، فالافتراء على الأبرياء جريمة يدفع إليها الكره الشديد (الحقد) ، وقد عدّها الإسلام من أقبح الزور، أمّا الغيبة فهي متنفّس حقد مكظوم، وصدر فقير إلى الرحمة والصفاء، ومن لوازم الحقد سوء الظنّ وتتبّع العورات، واللمز، وتعيير الناس بعاهاتهم، أو خصائصهم البدنيّة أو النفسيّة، وقد كره الإسلام ذلك كلّه كراهية شديدة.

إنّ جمهور الحاقدين تغلي مراجل الحقد في أنفسهم، لأنّهم ينظرون إلى الدنيا فيجدون ما تمنّوه لأنفسهم قد فاتهم، وامتلأت به أكفّ أخرى، وهذه هي الطامّة الّتي لا تدع لهم قرارا، وهم بذلك يكونون خلفاء إبليس- الّذي رأى أنّ الحظوة الّتي كان يتشهّاها قد ذهبت إلى آدم- فآلى ألّا يترك أحدا يستمتع بها بعدما حرمها، وهذا الغليان الشيطانيّ هو الّذي يضطرم في نفوس الحاقدين ويفسد قلوبهم، فيصبحون واهني العزم، كليلي اليد، وكان الأجدر بهم أن يتحوّلوا إلى ربّهم يسألونه من فضله، وأن يجتهدوا حتّى ينالوا ما ناله غيرهم، إذ خزائنه سبحانه ليست حكرا على أحد، والتطلّع إلى فضل الله عزّ وجلّ مع الأخذ بالأسباب هي العمل الوحيد المشروع عند ما يرى أحد فضل الله ينزل بشخص معيّن، وشتّان ما بين الحسد والغبطة أو بين الطموح والحقد «١» .

[للاستزادة: انظر صفات: الحسد- الخبث- الغل- اتباع الهوى- نكران الجميل- الأذى- السخط- الطمع- الغش- الغضب.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: الرضا- القناعة- المحبة- الاعتراف بالفضل- الشكر] .


(١) باختصار وتصرف عن «خلق المسلم» للشيخ محمد الغزالي ص ٩٠- ١٠٢.