للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربّه في داره، وإنّه جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره، وأعلن الصّلاة والقراءة، وقد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا، فأته، فإن أحبّ أن يقتصر على أن يعبد ربّه في داره فعل، وإن أبى إلّا أن يعلن ذلك فسله أن يردّ إليك ذمّتك، فإنّا كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرّين الاستعلان. قالت عائشة: فأتى ابن الدّغنة أبا بكر، فقال: قد علمت الّذي عقدت لك عليه، فإمّا أن تقتصر على ذلك، وإمّا أن تردّ إليّ ذمّتي، فإنّي لا أحبّ أن تسمع العرب أنّي أخفرت في رجل عقدت له. قال أبو بكر: فإنّي أردّ إليك جوارك وأرضى بجوار الله- ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم يومئذ بمكّة- فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «قد أريت دار هجرتكم، ورأيت سبخة ذات نخل بين لابتين» وهما الحرّتان. فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ورجع إلى المدينة بعض من كان هاجر إلى أرض الحبشة، وتجهّز أبو بكر مهاجرا، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «على رسلك، فإنّي أرجو أن يؤذن لي» ، قال أبو بكر: هل ترجو ذلك بأبي أنت، قال: «نعم» .

فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السّمر أربعة أشهر) * «١» .

[من الاثار وأقوال العلماء الواردة في (العزم والعزيمة)]

١-* (سمع عامر بن عبد الله بن الزّبير (المتوفى سنة ١٢٣ هـ) - رحمه الله تعالى- المؤذّن وهو يجود بنفسه، فقال: خذوا بيدي، فقيل: إنّك عليل، قال: أسمع داعي الله فلا أجيبه، فأخذوا بيده، فدخل مع الإمام في المغرب، فركع ركعة ثمّ مات) * «٢» .

٢-* (قال ابن القيّم، في معنى التّوبة النّصوح: أن يكون العبد نادما على ما مضى مجمعا على ألايعود فيه. وقال الكلبيّ: أن يستغفر باللّسان ويندم بالقلب ويمسك بالبدن.

وقال سعيد بن المسيّب: التّوبة النّصوح ما تنصحون بها أنفسكم.

وقال محمّد بن كعب القرظيّ: يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللّسان، الإقلاع بالأبدان، إضمار ترك العود بالجنان، مهاجرة سيّيء الإخوان) * «٣» .

٣-* (قال أبو حازم: عند تصحيح الضّمائر تغفر الكبائر، وإذا عزم العبد على ترك الاثام أمّه الفتوح «٤» ) * «٥» .


(١) البخاري- الفتح ٤ (٢٢٩٧) .
(٢) سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٢٠) .
(٣) مدارج السالكين (١/ ٣٠٩- ٣١٠) .
(٤) أمه الفتوح: أتاه وقصده.
(٥) حلية الأولياء للأصبهاني (٢/ ٢٣٠) .