للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مشتبهة. كما لم تسجل في المجتمع المدني سوى حالة اغتصاب واحدة لامرأة تعرضت لها في الغلس قبيل صلاة الفجر، وهي في طريقها إلى المسجد النبوي. وسجلت حادثة تشهير بامرأة مسلمة من قبل صائغ يهودي. وسجلت أربع حوادث زنا اعترف اثنان من مرتكبيها طواعية طلبا للتطهر من الذنب، وأقيم الحد عليهما وعلى الاثنين الآخرين. وسجلت حالة قتل لمسلم في منطقة سكن اليهود، وحادثة قتل أخرى لمسلمة قتلها يهودي برضخ رأسها بالحجارة. ويمكن إضافة حادثة ارتداد أدت إلى مقتل راعي سرح الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وهذا هو كل الذي سجلته المصادر من الجرائم والجنايات خلال السنوات العشر التي حكم فيها النبي صلّى الله عليه وسلّم الدولة الإسلامية الأولى.

أما في مجال التعليم، فقد منح الإسلام العلم مكانة عالية مقدّسة حين جعل طلبه فريضة على كل مسلم، واعتبره عبادة «١» . وقد سعت الحكومة النبوية إلى نشر التعليم بين المسلمين، وكانت مشكلة الأمية الشائعة بحاجة إلى علاج سريع، لحاجة الدولة إلى كتّاب للوحي، وكتّاب للعقود، وكتّاب رسائل، لمراسلة الأمراء والملوك الحاكمين في الدول المجاورة، وكذلك كتاب إدارة يستعان بهم في مراسلة الولاة والعمال والقضاة الموظفين في الدولة.

وقد صدرت البادرة الأولى عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم نفسه عند ما أمر بعض المتعلمين من المسلمين بتعليم الآخرين، وأمر بعض الأسرى ببدر بتعليم شباب الأنصار الكتابة مقابل مفاداتهم، وأرسل المعلمين- وسط الأخطار- في البوادي للدعوة ولتعليم الناس القرآن وتفقيههم بالدين. وكانت حلقات العلم في المسجد النبوي وبقية المساجد التي شيدت في عصر الرسالة تقوم بعملية التثقيف بصورة يومية، وهي تتسع مع الأيام لتشمل أعدادا كبيرة متزايدة.

وكان التعليم يحقق القوة والاستقرار والتماسك في المجتمع الوليد، لأنه ارتبط منذ البدء بالقيم الدينية والأخلاقية.

وقد تحددت عدة قيم تخص التعليم منها: استحضار النية الخالصة لله في طلب العلم «٢» . وعدم جواز كتم العلم لوجود حق عام للناس في علم العالم «٣» . والتعليم حق للجميع وهو مجاني «٤» . وقد لوحظ في التعليم اختلاف الاستعداد العقلي عند الناس «٥» . وروعيت الحالة النفسية للمتعلمين «٦» . وكانت طرق التلقي هي السماع والعرض والمذاكرة والسؤال، ولكن السماع كان أكثر انتشارا، لقلة المواد المكتوبة إلّا ما يتعلق بكتابة القرآن.

ومن أشهر المعلمين في عصر السيرة بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم- وهو المعلم الأول- مصعب بن عمير الذي قام بتفقيه أهل المدينة وتعليمهم القرآن قبل الهجرة النبوية «٧» ، وعبادة بن الصامت الذي كان يعلم أهل الصفة القراءة


(١) ابن ماجه- السنن ١/ ٨١ (حديث ٢٤٤) ، أبو داود- السنن (حديث ٣٦٦٤) .
(٢) أبو داود- السنن (حديث ٣٦٦٤) .
(٣) القرآن الكريم- سورة البقرة، الآيات/ ١٥٩، ٧٤، أبو داود- السنن (حديث ٣٦٥٨) .
(٤) أبو داود- السنن (حديث ٣٤١٦) ، البيهقي- السنن ٦/ ١٢٦.
(٥) الترمذي- سنن ٥/ ٣٤.
(٦) البخاري- الصحيح (فتح الباري ١/ ١٦٣ حديث ٧٠) ، مسلم- الصحيح ٤/ ٢١٧٢.
(٧) ابن حجر- الإصابة ١/ ١٢٤.