للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وحين عرض النبي صلّى الله عليه وسلّم على الجد بن قيس أحد بني سلمة المشاركة في جهاد الروم، اعتذر عن ذلك تحت ستار الخوف من الفتنة بسبب شدة ولعه بالنساء وقال: «وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر» ، فأعرض عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال: قد أذنت لك» ، وفيه نزلت الآية: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ. «١»

وكما اعتذر الجد بن قيس كذبا ونفاقا، فقد بادر عدد من المنافقين إلى تقديم أعذار كاذبة للنبي صلّى الله عليه وسلّم لكي يأذن لهم بالتخلف عن الغزوة، ولذلك نزلت الآية. عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ. «٢»

لم يقتصر النفاق على من نافق من أهل المدينة بل إنه امتد إلى البادية حولها، قال تعالى: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ «٣» .

وحيث إن المنافقين من الأعراب، وهم أقسى قلوبا وأكثر جفوة وأقل علما بالأحكام والسنن، فإنهم أشد كفرا ونفاقا من منافقي أهل المدينة، كما وصفهم القرآن الكريم. الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ. «٤»

لقد كانت غزوة تبوك منذ بداية الإعداد لها مناسبة للتمييز بين المؤمنين والمنافقين، وضحت فيها الحواجز بين الطرفين ولم يعد هناك أي مجال للتستّر على المنافقين أو مجاملتهم بل أصبحت مجابهتهم أمرا ملحا بعد أن عملوا كل ما في وسعهم لمجابهة الرسول والدعوة، وتثبيط المسلمين عن الاستجابة للنفير الذي أعلنه الله تعالى والرسول صلّى الله عليه وسلّم والذي نزل به القرآن الكريم، بل أصبح الكشف عن نفاق المنافقين، وإيقافهم عند حدهم واجبا شرعيا. فحين بلغ النبي صلّى الله عليه وسلّم أن أعدادا من المنافقين كانوا يجتمعون في بيت سويلهم اليهودي يثبطون الناس عن الغزوة، أرسل النبي صلّى الله عليه وسلّم إليهم من أحرق عليهم بيت سويلم «٥» ، وحين ابتنى المنافقون مسجدا لهم ليجتمعوا فيه مكايدة للمسلمين وتفريقا لاجتماعهم ووحدتهم وطلبوا من النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يصلي فيه، نهاه الله تعالى عن ذلك وسماه (مسجدا ضرارا) فقال جل شأنه: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ


(١) القرآن الكريم- سورة التوبة، الآية/ ٤٩.
(٢) القرآن الكريم- سورة التوبة، الآية/ ٤٣.
(٣) القرآن الكريم- سورة التوبة، الآية/ ١٠١.
(٤) القرآن الكريم- سورة التوبة، الآية/ ٩٧، الطبري- تفسير ١١/ ٣.
(٥) ابن هشام- السيرة ٤/ ٢١٧- ٢١٨ بإسناد منقطع.