للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[تسليم الدين من العدل للمرتهن بدون بينة مع الإنكار]

قال رحمه الله: [وإن ادعى دفع الثمن إلى المرتهن فأنكره ولا بينة].

قد سبق وأن ذكرنا أن الراهن والمرتهن إذا اتفقا على وضع الرهن عند عدلٍ أو شخصٍ معينٍ، فإن هذا الشخص يقوم بحفظ الرهن، وحينئذٍ إذا انتهى الأجل بيّنا أنه يقوم ببيعه إذا أذنا له بالبيع.

وفصّل المصنف رحمه الله في جملة من الأحكام التي تتعلق بالعدل.

وبعد هذا يرد

السؤال

لو أن هذا الرجل أُعطِي سيارةً مثلاً رهناً، وحضر الأجل، ولم يستطع من عليه الدين أن يُسدد الدين وهو الراهن، وقام العدل ببيع السيارة وقبض ثمنها، فلو فُرِض أنه باعها بعشرة آلاف، والدين عشرة آلاف ريال، فلمّا قبض هذا العدل العشرة آلاف ريال، ادّعَى أنه أعطاها لصاحب الدين وهو المرتهن، فإذا ادعَى أنه أعطاها للمرتهن، فلا يخلو الأمر من حالتين: الحالة الأولى: أن يقول المرتهن الذي له الدين: قبضتُ العشرة آلاف، وحينئذٍ فلا إشكال، فيصبح العدل كالوكيل إذا سدّد عن موكِّله، ويسقط الدين عن المدين، هذا إذا أقر صاحب الدين بأنه أخذ حقّه فلا إشكال.

الحالة الثانية: أن يُنكر من له الدين ويقول: لم يعطني شيئاً، فإذا أنكر فحينئذٍ نسأل العدل: هل عندك بيّنة تثبت صدق دعواك أنك أعطيت لفلان حقه؟ وحينئذٍ فلا يخلو من حالتين أيضاً: الحالة الأولى: إما أن يقول: عندي بيّنة، ويقيم بيّنته على صدق قوله، فلا إشكال، فيُقيم شاهدين عدلين، أو رجلاً وامرأتين، أو أربع نسوة على أنه دفع الحق؛ لأنها حقوق مالية يجوز فيها شهادة النساء منفردة ومجتمعة مع الرجال.

فإذا أثبت أنه قبض ثمن الرهن، وأنه أعطاه للمرتهن وأقبضه حقه، فلا إشكال، ويصبح العدل حينئذٍ قد برئت ذمته، والسبب في هذا: أنه قد احتاط لصاحب الحق في حقه، فأنت حينما كان عليك الدين وأعطيت الرهن لهذا الرجل لكي يقوم عليه، فإن الواجب عليه إذا سدد أن يحتاط عند السداد، فيأخذ مثلاً كتابة ويُشهد عليها، ويقول للمرتهن: هذه العشرة آلاف التي لك على فلان، اكتب لي بها سنداً أنك قبضتها، ويُقِيم شاهدين عدلين.

وبالمناسبة: فإن الناس قد يتساهلون في الحقوق، وما ضاعت حقوقهم إلا بسبب التساهل في السنة، وترك ما وصَّى الله عز وجل به من الكتابة والاستيثاق، فإن الإنسان لا يأمن الأجل، وقد يموت الطرفان، أي: الشخصان المتعاقدان، وحينئذٍ تضيع حقوق الورثة، فمن السنة أن تكتب ما لك وما عليك.

الحالة الثانية: المفروض على العدل أنه حينما يعطي صاحب الدين دينه، ويُسلِّمه المبلغ أن يحتاط؛ لأنه في هذه الحالة مؤتمن على حق مَنْ عليه الدين.

فإذا تساهل في ذلك كأن أعطى المرتهن المال بدون شهادة، أو بدون بينة، فإنه حينئذٍ يتحمّل المسئولية.

وصورة ذلك أو مثاله: اتفق الراهن والمُرتَهَن أن يكون الرهن عند محمد، وأنه إذا عجَز الراهن عن السداد فيقوم محمد ببيع الرهن وهو العمارة، والدين مثلاً مليون، فلما حضر الأجل ولم يسدد الراهن، وهو المديون، قام محمد ببيع العمارة وقبض قيمتها، والقيمة مثل الدين (مليون)، فجاء وأعطاها لصاحب الدين ولم يكتب ولم يُشهِد ولم يستوثق، ففي هذه الحالة سيقول: إني أعطيت صاحب الدين حقه، فلا يخلو من له الدين من حالتين: الحالة الأولى: أن يُقر، ويقول: نعم أعطاني، فإذا أقر من له الدين أنه قبض من محمد قيمة الرهن فلا إشكال، وثبت أن محمداً صادقٌ فيما يقول، وحينئذٍ تبرأ ذمته.

الحالة الثانية: أن ينكر ويقول: لم يعطني محمد شيئاً، أو يموت صاحب الدين، وينكر ورثته أن محمداً أعطى مورثهم الدين الذي كان لأبيهم على الطرف الثاني، فإن أنكروا فحينئذٍ نقول لمحمد: يا محمد! هل أشهدت؟ فإذا قال: ما أشهدت هل استوثقت بكتابة؟ فقال: ما فعلت شيئاً، بل أعطيته الدين وكفى، فنقول: إنك قد قصّرت، وتتحمل عاقبة التقصير ومسئولية التقصير؛ إذ كان ينبغي عليك أن تحتاط لحق أخيك، فتتحمل المسئولية، فإن أنكر فإنه يُلزم بدفع الدين كاملاً.

والسبب في هذا: أننا لو صدّقنا محمداً في ادعائه أنه سدّد صاحب الدين، لصار كل من نقيمه عدلاً يقول: بعت وأعطيت فلاناً، والأصل أن الدين ثابت، وأن ذمة المديون مشغولة بالدين، حتى نتأكد ونتحقق أن الحق وصل لصاحبه.

فكونه يدعي ويقول: لقد أعطيته، هذا لا يكفي ما دام أن الذي له الحق أنكر، فالبينة على المدَّعِي واليمين على من أنكر، وتصوَّر لو أن كل صاحب دين أنكر قبض المال والدين من العدل، لضاعت حقوق الناس، فنحن نقول لهذا العدل: أثبِت أنك أعطيته، فإن قال: ما عندي إثبات، فيحلف الذي له الدين أنه ما قَبَض، يحلِف يمين القضاء التي من حلفها فاجراً متعمداً لقي الله وهو عليه غضبان، نسأل الله السلامة والعافية! وهي اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في النار، وهي من أشد أنواع اليمين، وتسمى: اليمين الفاجرة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئٍ مسلمٍ بغير حقٍ لقي الله وهو عليه غضبان، قالوا: يا رسول الله! وإن كان شيئاً يسيراً، قال: وإن كان قضيباً من أراك)، فلو كان عوداً تافهاً حقيراً لا قيمة له عند الناس، فإنه بهذه اليمين يكون شيئاً عظيماً، ويلقى الله وهو عليه غضبان، ومن يحلل عليه غضب الله فقد هوى في نار جهنم وبئس المصير، نسأل الله السلامة والعافية! ويقولون: قَلّ أن يحلفها إنسان متعمداً ويحول عليه الحول بخير.

فالشاهد: أنه يحلف أنه ما قبض، فإن حلف أنه ما قبض، فعلى القاضي أن يحكم بأن الدين لا زال ثابتاً، وأنه يجب على العدل أن يدفع.

لكن أنت الذي عليك الدين مُطالَب بالدين، والعدل قائمٌ مقامك على أساس أن يبيع الرهن ويسلِّم لصاحب الدين، فإذا ادَّعَى العدل السداد، ولكن أنكر صاحب الحق أن العدل سدد الدين الذي عليك، فيرد السؤال: هل يُطالِب صاحب الحق الوكيل أو يطالب الأصيل؟

و

الجواب

أنه يطالبُ الأصيل؛ لأن ذمة الأصيل مشغولة بحقه، والأصيل الذي عليه الدين -وهو الراهن- له أن يُطالب هذا الوكيل.

وبناءً على ذلك يكون الترتيب كالتالي: لا نقبل دعوى هذا الوكيل والعدل أنه سدد ما لم يُقِم بيّنة، أو يعترف صاحب الدين، فإن لم يُقر صاحب الدين ولم يُقِم بيّنة، وأنكر صاحب الدين وحلف أنه ما قبض، فحينئذٍ يجب على القاضي أن يحكم بأن الدين لا زال ثابتاً.

وإذا ثبت الدين فتكون عندنا قضيّتان: القضية الأولى: أن صاحب الدين يطالبك مطالبة شرعية بأن تسدِّده.

القضية الثانية: أن الراهن له أن يطالب العدل بدعوى قضائية، أنه قام على المال بالبيع وفرّط، وأن يضمن الحق الذي عنده.

وهذا معنى قولهم: يكون وجه المرتَهِن على الراهن، ويكون وجه الراهن على العدل، فكلٌ منهما يطالب الآخر.

وكذلك صاحب الدين يطالب الراهن؛ لأن الأصل أن ذمة الراهن متعلقة بهذا الدين، فنقول: لا زال الحق ثابتاً ولم يرتفع؛ فنطالبه بسداد ما عليه من الدين، ثم يُقِيم الآخر دعوى قضائية على هذا العدل أنه لم يسدِّد كما أمره، وأنه وكّله في بيع داره، أو بيع أرضه، أو سيارته، ويسدد فلاناً دينه، ولكنه لم يقم بالسداد، فله أن يطالبه بقيمة المبيع، ثم بعد ذلك يأخذ كلٌ منهما حقّه من خصمه.

<<  <  ج:
ص:  >  >>