للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[حكم المشكك في السنة وغير المصدق بها]

السؤال

ما نصيحتكم لشخص يقول: لا تصدقوا كل ما نُقِل عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا قيل له: هذا الحديث رواه البخاري أو مسلم، لا يصدق ولا يكذب؟

الجواب

اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، نعوذ بالله من طمس البصائر، ولا يزال الإنسان في خير ورحمة وبر وهدى في دينه ما تمسك بكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فوالله لا يحجب عن نار الله إلا بفضل الله ثم بكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولن تنعم عينه ولن تطأ قدمه الجنة إلا بفضل الله ثم بكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا صراط إلى الجنة إلا بكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذا الزمان زمن فتن، تكلم فيه كل من هبّ ودبّ، وكل زاعق وناعق، فلا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه، فالذي يُوصى به الرجوع إلى كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك عن طريق العلماء العاملين الذين عُرِفوا بضبطهم وإتقانهم وأخذهم للعلم، فهؤلاء الذين يُحتكم إليهم في دين الله وشرع الله.

وأما بالنسبة لهذه الكلمات الجارحة التي تمس مشاعر المسلمين، والتي يطلقها إما من لا دين عنده -والعياذ بالله- وإما أصحاب الأهواء الذين يريدون تشكيك المسلمين في عقائدهم ونزعهم عن دين ربهم، وإما الحسد كأن يحسد الإنسان على دينه كما ذكر الله عن أهل الكتاب، فهذا ليس إلا تشكيكاً في بدهيات عند المسلمين هي أوضح من الشمس في رابعة النهار.

وليعلم الإنسان أن خير ما يُقال في هؤلاء ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن ذكر الفتن، وبيّن عليه الصلاة والسلام أن هناك همجاً رعاعاً أتباع كل زاعق وناعق، فالذي يتبع كل زاعق وناعق فإنه على هلاك بلا إشكال ولا مرية.

والشخص الذي يجعل زمام دينه لكل من هبّ ودب عليه أن يعلم أنه على ضلال مبين، فلا يعرف الحق إلا بأهله الذين عُرِفوا بالتمسك بكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، الحجة في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والله جعل السنة مبينة لكتاب الله عز وجل: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل:٤٤].

وصدق بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه حيث أخبر قبل هذا الزمان بقرون عديدة وكشف الله له ما هو كائن، فكان معجزة من معجزاته فقال عليه الصلاة والسلام: (لا ألفين أحدكم جالساً على أريكته شبعان ريان، يبلغه الحديث مما قلته أو عملته فيقول: ما وجدنا هذا في كتاب الله، ولقد أوتيت القرآن ومثله معه، ولقد أوتيت القرآن ومثله معه، ولقد أوتيت القرآن ومثله معه)، فهذه هي السنة التي هي أحب إلينا من أنفسنا، ولا يصدنا عنها غرور المغرورين ولا فتن المفتونين ولا إرجاف المكتوفين ولا إبطال الملحدين، إنما علينا أن نتمسك بدين الله وشرعه.

وليضع كل مسلم في كل دعوة مصادمة لدين الله عز وجل نصب عينيه كلمةً قالها الله جل وعلا من فوق سبع سماوات ثبتت قلوب المؤمنين والمؤمنات، وهي قوله عز من قائل: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ} [الزخرف:٤٣]، وزيادة المبنى في لغة العرب تدل على زيادة المعنى، ما قال له: أمسك الذي أوحي إليك، ولكن ((فاستمسك))، فورد التأديب بهذه الحروف التي لها الوقع القوي في النفوس، ومع أنه لو قال: (اثبت) لكان لها معنى، لكن (استمسك) حتى صوت الكلمات والحروف لها معنى وخطاب مباشر، وخطاب لخير خلق الله صلوات الله وسلامه عليه، فمن باب أولى غيره، فنبه أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن الذي يزعزعها وأن الذي يحول بينها وبين وحيها شيء عظيم وكبير، يحتاج إلى قوة وثبات يحتاج إلى اللائق بالإنسان مع كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الاستمساك يدل على عظم الشيء الذي يحول بينك وبينه.

فعلى هذا: ينبغي على كل مسلم أن يثبت على الحق وأن يوصي إخوانه بذلك، فالسنة حجة على من بلغته إذا صحت وثبتت فقل: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة:٢٨٥].

من الأمور التي ينبغي لكل مسلم أن يعلمها، أنه إذا عوَّد نفسه إذا صحت السنة أن يسلِّم ويستسلم ويعمل، فليعلم أن حظه من الهداية والرحمة على قدر تمسكه وعمله وتسليمه، وقلَّ أن تجد عبداً من عباد الله إذا بلغته السنة طأطأ رأسه وأسلم لله نفسه إلا وجدته أثبت الناس جناناً، وأصلحهم حالاً وأشرحهم صدراً وأكثرهم توفيقاً من الله عز وجل، ولن تجد شخصاً كثير الشكوك كثير الأوهام كثير الرد للسنة إلا وجدته أعمى البصيرة كثير الفتن والقلاقل، إلا أن يرحمه الله برحمته.

وتأمل قول الله عز وجل: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:٦٣]، فهذا وعيد شديد لكل من يعترض على السنة، ويردها ويخالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فالحذر كل الحذر! لا تقبل عن طريق الله وسبيلها تحويلاً، ولا تقبل عن قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم بديلاً أبداً، وعليك أن تستمسك بما أوحى الله، وهذه سنة ماضية للعلماء وورثة الأنبياء، فإنهم يدعوا الناس إلى التمسك بالحق، وعلى الخطباء وأئمة المساجد وطلاب العلم أن يعودوا الناس محبة السنة، وأن يذكروهم -خاصةً في هذا الزمان- بقول الله وقول رسوله عليه الصلاة والسلام وهدي السلف الصالح في محبتهم لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وعملهم بها وتطبيقهم لها، وأن الله عز وجل أسعد أمماً وسيسعد من بقي كما أسعد من مضى بهذه السنة.

فهنيئاً ثم هنيئاً لمن نور الله بصيرته وثبَّت قلبه، وجعل محبة السنة في فؤاده، فلم يلتفت إلى هذه الفتن ولا إلى هذه المحن، وثبَت على الحق بتثبيت الله.

نسأل الله بعزته وجلاله أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل.

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، نسألك بعزتك وقدرتك أن تعيذنا من فتن المفتونين، ومن ضلال المضلين، ومن إلحاد المبطلين، ونسألك بعزتك وقدرتك على خلقك أن تكبت أعداء الدين.

اللهم أخرس ألسنتهم، اللهم أخرس ألسنتهم، اللهم أخرس ألسنتهم.

اللهم اكفِ الإسلامَ وأهلَه أهلَ الضلال بما شئت، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.

وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وعلى آله وصحبه أجمعين.

<<  <  ج:
ص:  >  >>