للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[حكم الرد على الإمام إذا أخطأ في التجويد]

السؤال

هل يجوز لنا أن نرد على الإمام إذا أخطأ في حكم من أحكام التجويد؟

الجواب

باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: تجويد القرآن وترتيله أمرٌ لازم، وذلك لقوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمل:٤]، وهو مشروع؛ فإن القرآن إنما نزل على صورةٍ معيَّنة، وهذه الصورة تلقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبريل، وتلقاها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتناقلتها الأمة جيلاً بعد جيل، ورعيلاً بعد رعيل على صورةٍ مخصوصة وهيئة مخصوصة عُرِفت بمصطلحٍ اصطلحوا على تسميته بالتجويد.

وهذا المصطلح يكاد يكون إجماع السلف رحمة الله عليهم ومن بعدهم على كونه مشروعاً في الأصل، فلم يُوجد في العصور المتقدمة بل إلى عهدٍ قريب من يقول: إن التجويد بدعة.

وذلك لأن القرآن واضح في الأمر بترتيل القرآن.

والمراد بترتيل القرآن إعطاء الحروف حقها ومستحقها، ولذلك قال الله عز وجل: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء:١٩٥]، فلم يقتصر على وصفه بكونه لساناً عربياً حتى أضاف إليه كونه مبيناً، قيل: مبيناً من جهةٍ كونه يبين الحق، وقيل: مبيناً من جهة اللفظ.

ولا مانع من الجمع بين المعنيين كما هو مُقرَّر في أصول التفسير أن اللفظ إذا احتمل المعنيين وكان يمكن أن يُطلَق عليهما معاً فإن الأصل حملُه على ذلك العموم المقتضي لهما معاً.

وقد اختَص أهل القرآن بتجويده وضبطه وإتقانه وتحريره، وكان لهم شرف هذا الضبط وهذا التحرير، وعُقِدت لهم مجالسهم في بيوت الله عز وجل وفي أماكن حِلَق الذكر والعلم، ولم يُنكر أحدٌ هذا العلم، بل قالوا في حكمتهم المشهورة: القراءة سنةٌ متبعة لا تؤخذ إلا من أفواه الرجال فكانوا يأخذون القرآن بالتلقي.

وأخذ المصاحف والقراءة بها فيها بالطريقة الموجودة اليوم ما عُرِف إلا في هذه الأزمنة الأخيرة، وإنما كان في القديم لا يقرأ الإنسان إلا عن طريق الشيخ صيانةً لكتاب الله عز وجل وحفظاً له من الخطأ والزلل.

ومن قال: إن التجويد بدعة فإن قوله محل إشكال عظيم؛ إذ لو قلنا: إن الإنسان يقرأ القرآن على ظاهره فكيف يقرأ قوله تعالى: (كهيعص)؟ فمن أين جاءتنا معرفة المدود لنقرأ: (كاف، ها، يا، عين، صاد)؟ ومن أين جاءتنا تلاوة هذه الحروف على هذا الوجه المعين؟ فما جاءنا إلا عن طريق الرواية، فكما أنه أُلزِم بهذه الرواية على هذا الوجه فكذلك الشأن في كتاب الله عز وجل في حروفه، ولذلك تجد التنوين والغُنَّة والإخفاء وغيرها من الأحكام تترتب عليها مسائل دقيقة في صِفَة الحروف.

وقد أُثِر عن علي رضي الله عنه أنه لما فَسَّر الترتيل فسَّرَه بإعطاء الحروف حقها من صفةٍ لها ومستحقها، ولذلك قرر العلماء رحمهم الله لزوم التجويد، ومرادهم بذلك التجويد الذي تنضبط به الحروف، وتنضبط به مخارج الحروف، أما الزائد على ذلك من التحبير والتحسين والإتقان الذي هو مرتبة الكمال فهو مرتبة فضل، وليس بمرتبة وجوب، ولذلك لا حرج في كون الإنسان يجهله، لكن إذا جاء إلى القدر اللازم مثل إخفاء الحرف، ومثل كون الحرف منوناً، والذي تبين به صفة الحروف، فهذا سنةٌ متَّبَعة، وينبغي التأسي فيها والاقتداء بسلف هذه الأمة ومن بعدهم، ولا شك أن هذا الأمر مما يكاد يكون مجمعاً عليه بين أهل العلم رحمة الله عليهم.

وعليه فإذا أخطأ الإمام في أحكام التجويد بما يُخِل، فلا شك أنه يُشرع الفتح عليه ويُلزَم؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما لو أخطأ في الآية كلها، ولذلك يُشرع في مثل هذه الصورة أن يُفتح عليه، أما إذا كان في الكمال فإنه يغتفر، وخاصةً إذا كان من الأميين الذين يطول ردهم، والله تعالى أعلم.

<<  <  ج:
ص:  >  >>