للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[أحكام أواني الكفار]

قال المصنف رحمه الله: [وتباح آنية الكفار].

بعد أن بين رحمة الله عليه أحكام أواني المسلمين، وقال لك: الأواني كلها جائز الانتفاع بها إلا آنية الذهب والفضة، بيّن بعد ذلك حكم آنية الكفار، والكفار على قسمين: كفارٌ من أهل الكتاب وهم الذين لهم في الأصل دينٌ سماوي، وهم اليهود والنصارى.

وكفارٌ على غير دين سماوي كالوثنيين والمشركين والمجوس ونحوهم، فيرد

السؤال

لو أن إنساناً سألك في يومٍ من الأيام وقال لك: وجدتُ إناءً ليهوديٍ فهل يجوز لي أن أتوضأ أو أغتسل منه، أو آكل أو أشرب منه؟! هذا سؤالٌ وارد، ولذلك بينت الشريعة حكم آنية الكفار في أكثر من حديث، وقد اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة؛ وتوضيحها: أن آنية الكفار على حالتين: الحالة الأولى: أن تكون جديدةً غير مستعملة، كالأواني التي تأتي منهم جديدة مُصَنّعة، فهذه طاهرةٌ يجوز استعمالها والانتفاع بها بالإجماع ما لم تكن من مادةٍ نجسة؛ فإن كانت من المواد الطاهرة كالحديد والصفر والنحاس ونحوها جاز الانتفاع بها بالإجماع؛ لأن اليقين طهارتها وليس هناك دليل على النجاسة، فنبقى على الدليل الأصلي ونستصحب الأصل من كونها طاهرة.

الحالة الثانية: أن تكون أواني الكفار مستعملة، فإن رأيت استعمالهم للنجاسة فيها، ورأيت الإناء وفيه النجاسة فبالإجماع أنه نجسٌ حتى يطهر، ولا يجوز استعماله بالإجماع حتى يغسل.

فلو وجدت كأساً لهم فيها خمر فإنه لا يجوز استعمالها إلا بعد غسلها وتنظيفها، وأما إذا كانت هذه الأواني مغسولة عندهم ولم يجد الإنسان غيرها، وكانوا قد أكلوا فيها أو شربوا فهذا للعلماء فيه وجهان: منهم من قال: لا تستعمل إلا أن يضطر إليها؛ لما ثبت في الصحيح من حديث أبي ثعلبة الخشني قال: (يا رسول الله! إني بأرض قومٍ أهل كتاب أفآكل في آنيتهم؟ -وفي رواية أفنأكل في آنيتهم؟ - قال: لا.

إلا ألا تجدوا غيرها فاغسلوها ثم كلوا فيها) فدل هذا الحديث على أن آنية الكفار التي يستعملونها لا يؤكل فيها.

ونازع هذا الحديث حديثٌ آخر، وهو أكل النبي صلى الله عليه وسلم من آنية الكفار، ففي حديث رواه أحمد: (أن النبي صلى الله عليه وسلم استضافه يهودي على خبزٍ وإهالة سنخة، فأكل النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك) وكذلك أيضاً ثبت في الصحيح عنه: (أن امرأة يهوديةً دعته إلى شاةٍ ووضعت السم فيها، ثم أطعمته عليه الصلاة والسلام فأكل منها).

فدل هذا على أن آنية الكفار يؤكل فيها، قالوا: أما الشرب والوضوء ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه لما لقي المرأة التي معها المزادة توضأ هو وأصحابه منها) فتوضأ من مزادة مشركة.

قالوا: فهذا يدل على أن أواني الكفار يؤكل فيها ويشرب منها ما لم تُعلم نجاستها، وهذا مذهب بعض العلماء.

وحديث أبي ثعلبة يقتضي أنه لا يؤكل ولا ينتفع بها إلا ألا يجد غيرها فيغسلها ثم يأكل فيها.

وأعدل المذاهب: أن يحتاط الإنسان فيها، فلا يأكل في آنية الكفار ولا يشرب منها إلا ألا يجد غيرها فليغسلها ثم ليأكل فيها، وما ورد من فعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا يعارض هذا الأصل؛ لأن الغالب في هذه الآنية طهارتها، ولو كانت نجسةً لما خلا الوحي من تنبيهه صلى الله عليه وسلم على نجاستها.

وعلى هذا فإن التفصيل في أواني الكفار بالصورة التي ذكرناها هو أعدل الأقوال.

الحالة الثالثة: أن لا نعلم أو لا نرى فيها نجاسة، فهل نُعْمِل الأصل الذي هو اليقين أو نُعْمِل الظاهر؟ وقد بسطت هذه المسألة في شرح البلوغ عند حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه وأرضاه.

فعند العلماء شيء يُسمى: (اليقين) كما تقدم، وشيء اسمه: (الظاهر)، فقد يقول قائل: نحن قلنا في القاعدة: (أن اليقين لا يزال بالشك)، فاليقين في أواني الكفار: أنها طاهرة في الأصل، فكيف عدلنا عن قاعدة اليقين في هذا الموضوع حتى صرنا نقول: إن أواني الكفار تغسل؟!

الجواب

هناك شيءٌ اسمه: دلالة الظاهر، والظاهر قد يعارض الأصل، فتارةً يُعمِل اليقين، وتارة يُعمل الظاهر، فإن الظاهر في حال الكفار أن أوانيهم نجسة؛ لأنهم يشربون فيها الخمور ويأكلون فيها الميتات، فالظاهر من حالهم أنها نجسة.

ومن أمثلة ذلك: إذا دخل الإنسان أكرمكم الله إلى الحمام، فوجد الماء الذي هو في مجرى النجاسة، فالماء هذا اليقين فيه أنه نجس، والماء الذي خارج الحمام اليقين فيه أنه طاهر، فيبقى الماء الذي بينهما هل نقول: اليقين فيه ما بداخل الحمام أو ما بخارجه؟! قالوا: هذا يعتبر من دلالة الظاهر، فالظاهر دورات قضاء الحاجة أنها نجسة حتى يدل الدليل على طهارتها، وبناءً على ذلك فإن الظاهر من أحوال الكفار النجاسة، فيقدم الظاهر على الأصل، وهذا من المسائل التي يتعارض فيها الظاهر والأصل، وإذا تعارض الظاهر والأصل قُدّم الأصل في مسائل وقدم الظاهر في مسائل أخرى.

وقد تكلم على هذه القاعدة كلاماً نفيساً الإمام الزركشي في كتابه: المنثور في القواعد، وتكلم عليها كذلك القرافي في: الفروق، وغيرهم من أئمة الأصول بحثوا هذه المسألة، وفيها إشكالات مشهورة عند أهل العلم رحمة الله عليهم.

قال المصنف رحمه الله: [وتباح آنية الكفار ولو لم تحل ذبائحهم].

أي: يباح لك استعمال أوانيهم ولو لم تحل ذبائحهم؛ لأن بعض العلماء يقول: تباح آنية أهل الكتاب الذين تحل ذبائحهم، وأما غيرهم ممن لا تحل ذبائحهم فلا تباح آنيتهم.

قال المصنف رحمه الله: [وثيابهم إن جُهِل حالها].

ثياب الكفار لها ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن تكون جديدةً لم تُلبس، كالثياب المصنعة في بلاد الكفار، فحكمها الطهارة يقيناً، فأي ثوبٍ جديد ولو جاء من ديار الشرك والكفر فإنا نقول: اليقين أنه طاهر، والأصل فيها الطهارة حتى ترى النجاسة فيه أو عليه.

الحالة الثانية: أن ترى على ثوب الكافر نجاسة، فحكمه أنه نجس، مثال ذلك: أن تراه قد صب شيئاً نجساً على ثوبه أو عمامته أو نحو ذلك، فتقول: الثوب نجس، والعمامة نجسة.

الحالة الثالثة وهي التي فيها الإشكال: إذا كان ثوباً يستعمله الكافر ولم ترَ نجاسةً عليه، فهل هو نجس أم طاهر؟ قال بعض العلماء: ثياب الكفار يُعمل فيها اليقين من أنها طاهرة حتى تُرى النجاسة عليها، وهو مذهب من يتسامح فيها.

والمذهب الثاني يقول: ثياب الكفار الظاهر فيها النجاسة؛ لأنهم يبولون ويتغوطون ولا يسلمون من وضع النجاسة على ثيابهم وبدنهم ولا يتورعون، فالظاهر نجاستها كلها.

والصحيح: هو المذهب الثالث وهو التفصيل: فإن كانت على موضع يغلب فيه النجاسة فهي نجسة كالثياب التي تلي العورة؛ فإنه إذا استعمل الإنسان ثوب كافرٍ مما يلي العورة كالسراويل ونحوها والأزر فإنه يغسلها قبل أن يستعملها؛ لأن الغالب فيهم أنهم لا يتورعون عن النجاسات، وأنهم لا يتطهرون، فنعمل دلالة الغالب، والنادر لا حكم له، فيفرق في ثيابهم المستعملة بين ما غلبت طهارته وما غلبت نجاسته.

<<  <  ج:
ص:  >  >>