للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

«ولايمنعنك قضاء قضيته اليوم، فراجعت فيه نفسك، وهديت فيه لرشدك، أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل».

ثانياً ـ نقض الاجتهاد: إذا أفتى مجتهد في حادثة ما، أو حكم الحاكم في نزاع بين متخاصمين، ثم تغير اجتهاد كل منهما، فرأى المجتهد أو الحاكم حكماً بخلاف مارآه أولاً، فما الذي يعمل به من الاجتهادين: السابق أم اللاحق، وهل ينقض الاجتهاد السابق؟ وقبل الإجابة يلاحظ أن هناك فرقاً بين نقض الاجتهاد وتغير الاجتهاد. وهو أن التغير أمر نظري لتقرير مبدأ العدول عن الاجتهاد السابق، وأما نقض الاجتهاد فمجاله الحياة العملية والإفتاء وفض المنازعات والخصومات بين الناس.

وقد ميز الأصوليون في مسألة نقض الاجتهاد بين المجتهد والحاكم (١).

أما المجتهد لنفسه إذا رأى حكماً معيناً، ثم تغير ظنه، لزمه أن ينقض اجتهاده وما ترتب عليه. مثاله: إذا رأى المجتهد أن الخلع فسخ، فنكح امرأة كان قد خالعها ثلاثاً، ثم رأى بعدئذ أن الخلع طلاق، لزمه مفارقة تلك المرأة، ولايجوز له إمساكها، عملاً بمقتضى الاجتهاد الثاني، لأنه تبين أن الاجتهاد الأول خطأ، والثاني صواب، والعمل بالظن واجب.

وأما الحاكم: إذا قضى في واقعة معينة باجتهاد، ثم تغير اجتهاده في واقعة مماثلة، فإن كان حكمه مخالفاً لدليل قاطع، من نص، أو إجماع، أو قياس جلي (٢) نقض باتفاق العلماء، سواء من قبل الحاكم نفسه أو من أي مجتهد آخر، لمخالفته الدليل.


(١) المستصفى: ١٢٠/ ٢، الإحكام للآمدي: ١٥٨/ ٣، مسلَّم الثبوت:٣٤٥/ ٢، فواتح الرحموت: ٣٩٥/ ٢، التقرير والتحبير: ٣٣٥/ ٣، شرح المحلي على جمع الجوامع: ٣٢٠/ ٢، المدخل إلى مذهب أحمد: ص١٩٠، إرشاد الفحول: ص ٢٣٢.
(٢) وهو ماكانت العلة فيه منصوصة، أو كان قد قطع بنفي تأثير الفارق بين الأصل والفرع.

<<  <  ج: ص:  >  >>