للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يشترط الدخول، فليس لها الامتناع أيضاً عند أبي حنيفة؛ لأنها لما رضيت بتأجيل المهر كله، كان ذلك رضا منها بإسقاط حقها في تعجيل المهر.

وقال أيو بوسف: للزوجة أن تمنع نفسها حتى يحل أجل تسليم المهر؛ لأن الزوج رضي بإسقاط حقه بالاستمتاع. والفتوى استحساناً على هذا القول.

[ضمان الولي المهر]

يرى الحنفية (١) أنه إذا ضمن ولي الزوجة أو وكيلها المهر لها، صح ضمانه؛ لأنه من أهل الالتزام، والولي والوكيل في النكاح سفير ومعبر، ولذا ترجع حقوق العقد إلى الأصيل، وللمرأة الخيار في مطالبة زوجها أو وليها، كسائر الكفالات. ويرج الولي إذا أدى على الزوج إن كان الضمان بأمره، كما هو المقرر في الكفالة.

سابعاً ـ قبض المهر وما يترتب عليه: قبض المهر حق خالص للزوجة كما بينا، فلها أن تمنع نفسها حتى تقبض مهرها المعجل كله، على الخلاف والتفصل الآتي:

قال الحنفية (٢): للمرأة قبل دخول الزوج بها أن تمنع الزوج عن الدخول أو عن الانتقال إلى بيته حتى يعطيها جميع المهر المعجل بأن تزوجها على صداق عاجل، أو كان مسكوتاً عن التعجيل والتأجيل؛ لأن حكم المسكوت حكم المعجل، ثم تسلم نفسها إلى زوجها، وإن كانت قد انتقلت إلى بيت زوجها؛ لأن المهر عوض عن بُضْعها، كالثمن عوض عن المبيع، وللبائع حق حبس المبيع

لاستيفاء الثمن، فكان للمرأة حق حبس نفسها لاستيفاء المهر. وإن استوفت معجل المهر بتمامه سقط حقها في منع نفسها منه.

أما إذا دخل الزوج بها أو خلا بها، برضاها، وهي مكلفة (بالغة عاقلة) فلها أيضاً في رأي أبي حنيفة أن تمنع نفسها من الاستمتاع بها حتى تأخذ المهر، ولها أن تمنعه أن يخرجها من بلدها؛ لأن المهر مقابل بجميع ما يستوفى من منافع البُضْع في جميع أنواع الاستمتاع التي توجد في هذا الملك.

ويكون رضاها بالدخول أو بالخلوة قبل قبض معجل مهرها إسقاطاً لحقها في منع نفسها في الماضي، وليس لحقها في المستقبل. وهذا هو الراجح عند الحنفية، فللمرأة منع نفسها من الوطء ودواعيه، ومن السفر بها، ولو بعد وطء وخلوة رضيتهما؛ لأن كل وطأة معقود عليها، فتسليم البعض لا يوجب تسليم الباقي.

وفي رأي الصاحبين: ليس لها أن تمنع نفسها، لأنها بالوطء مرة واحدة أو بالخلوة الصحيحة، سلمت جميع المعقود عليه برضاها، وهي من أهل التسليم، فبطل حقها في المنع، كالبائع إذا سلم المبيع، فرضاها بالوطء إسقاط لحقها في طلب المهر قبل الدخول، فيسقط حقها في الامتناع، فإذا امتنعت كانت ناشزة، فيسقط حقها في النفقة.

ووافق المالكية (٣) الصاحبين، فقالوا: للمرأة ولو كانت معيبة بعيب رضي به منع نفسها من الدخول ومن الاختلاء بها ومن السفر مع زوجها قبل الدخول حتى يسلم لها زوجها المهر المعين أو الصداق المعجل، أو المؤجل الذي حل أجل تسليمه. أما إن سلمت نفسها له قبل القبض بعد الوطء أو التمكين منه، فليس لها منع نفسها بعدئذ من وطء ولا سفر معه، سواء أكان موسراً أم معسراً، وإنما لها المطالبة به فقط ورفعه للحاكم كالمدين.


(١) الكتاب مع اللباب: ٢٢/ ٣، الدر المختار: ٤٩٠/ ٢، فتح القدير: ٤٧١/ ٢ وما بعدها.
(٢) البدائع: ٢ ٢٨٨/-٢٨٩.
(٣) الشرح الصغير: ٤٣٤/ ٢، القوانين الفقهية: ص ٤٣٤، الشرح الكبير: ٢٩٧/ ٢ وما بعدها.

<<  <  ج: ص:  >  >>