للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الشهادة كما ارتفع الفسق بالتوبة. لكن لم يسقط الحد بالتوبة، للإجماع على أنه لا يسقط بالتوبة، لما فيه من حق العبد أو الآدمي، فلا يسقط باستيفائه، لا لخلل في اقتضاء صيغة الاستثناء التي أعقبت الجمل السابقة أن تعم كل الجمل، فبقي الاستثناء في ظاهره عائداً إلى رد الشهادة والتفسيق، وهذا ما قرره الزمخشري، وهو رأي أكثر التابعين وفقهاء الأمصار غير الحنفية (١).

واختلف الفقهاء في وقت رد شهادة القاذف، فقال أبو حنيفة ومالك: لا ترد شهادته إلا بعد جلده، لأن الواو وإن لم تقتض الترتيب، لكن الظاهر من الترتيب في الذكر أنه على وفق الترتيب في الحكم. وقال الشافعي: لا يتوقف رد الشهادة على حد القذف؛ لأن ظاهر الآية أنه متى قذف وعجز عن البينة استحق العقوبات الثلاث: الحد، ورد الشهادة، والتفسيق.

هل التوبة مسقطة للقصاص والدية؟ إذا ثبت القتل وجب على القاتل إما القصاص، وإما الدية. ولا يسقط القصاص إلا بعفو أولياء المقتول على أن يأخذوا الدية أو بدون شيء، فلا يسقط القصاص أو الدية إذن بالتوبة لتعلق الحق الشخصي به لأولياء الدم. وبناء عليه لا تصح توبة القاتل حتى يسلِّم نفسه للقود (القصاص) أو يؤدي الدية حين العفو، أو حالة القتل الخطأ. وتوبة القاتل لا تكون بالاستغفار والندامة فقط، بل تتوقف على إرضاء أولياء المقتول، فإن كان القتل عمداً لا بد من أن يمكنهم من القصاص منه، فإن شاؤوا قتلوه، وإن شاؤوا عفوا عنه مجاناً، فإن عفوا عنه كفته التوبة. وبالعفو عنه يبرأ من العقوبة الدنيوية.


(١) تخريج الفروع على الأصول: ص ٢٠٧ وما بعدها، تفسير آيات الأحكام بالأزهر: ١٣١/ ٣ وما بعدها، ط ١٩٥٣، المحرر في الفقه الحنبلي: ٢٥١/ ٢ وما بعدها.

<<  <  ج: ص:  >  >>