للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عما فيه كذب أو افتراء، أفلا تعقلون أن من هذا شأنه المطّرد في هذا العهد البعيد، مستحيل أن يفتري على الله، ويتحكم على الخلق كافة، بالأوامر والنواهي الموجبة لسفك الدماء، وسلب الأموال، ونحو ذلك. وأن ما أتي به وحي مبين، تنزيل من رب العالمين- انتهى-.

وما استنسبه رحمه الله، اقتصر عليه ابن كثير، ثم استشهد بقول «١» هرقل ملك الروم لأبي سفيان، فيما سأله من صفة النبي صلى الله عليه وسلم: قال هرقل له: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان فقلت: لا! وكان أبو سفيان إذ ذاك رأس الكفرة، وزعيم المشركين، ومع هذا اعترف بالحق، والفضل ما شهدت به الأعداء، فقال له هرقل: فقد أعرف أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يكذب على الله.

وقال جعفر بن أبي طالب للنجاشيّ ملك الحبشة «٢» : بعث الله فينا رسولا نعرف صدقه ونسبه وأمانته، وقد كانت مدة مقامه بين أظهرنا قبل النبوة أربعين سنة.

وعن ابن المسيب: ثلاثا وأربعين سنة. والصحيح المشهور الأول.

[القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (١٠) : آية ١٧]]

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧)

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ استفهام إنكاريّ معناه الجحد. أي لا أحد أظلم ممن تقوّل على الله تعالى، وزعم أنه تعالى أرسله وأوحى إليه، أو كفر بآياته، كما فعل المشركون بتكذيبهم للقرآن، وحملهم على أنه من جهته عليه الصلاة والسّلام.

إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ أي لا ينجون من محذور، ولا يظفرون بمطلوب، ونظير هذه الآية قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ [الأنعام: ٩٣] ، وترتيب عدم الفلاح على من افترى الوحي، وعده صادق بلا مرية، فإن مفتريه، يبوء بالخزي والنكال، ولا يشتبه أمره على أحد بحال.


(١) أخرجه البخاري في صحيحه في: بدء الوحي، ٦- حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ١/ ٢٠٢، والحديث رقم ١٧٤٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>