للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أي لا شرقية تقع عليها الشمس وقت الشروق فقط، ولا غربية تقع عليها عند الغروب. ولا تصيبها في الغداة بل في مكان عليها الشمس مشرقة من أول طلوعها إلى آخر غروبها. كصحراء أو رأس جبل. فزيتها أضوأ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ أي يكاد يضيء بنفسه من غير نار لصفائه ولمعانه نُورٌ عَلى نُورٍ أي ذلك النور الذي عبر به عن القرآن، ومثلت صفته العجيبة بما فصل عن صفة المشكاة. نور عظيم كائن على نور كذلك. ف (نور) خبر مبتدأ محذوف، والجار متعلق بمحذوف صفة له مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة، والجملة فذلكة للتمثيل، وتصريح لما حصل منه، وتمهيد لما يعقبه. وليس معنى نُورٌ عَلى نُورٍ نور واحد فوق آخر مثله، ولا مجموع نورين اثنين فقط، بل هو عبارة عن نور متضاعف كتضاعف ما مثل به من نور المشكاة بما ذكر. فإن المصباح إذا كان في مكان متضايق كالمشكاة، كان أضوأ له وأجمع لنوره. بخلاف المكان الواسع، فإن الضوء ينبث فيه وينتشر. والقنديل أعون شيء على زيادة الإنارة. وكذلك الزيت وصفاؤه. وليس وراء هذه المراتب مما يزيد نورها إشراقا، مرتبة أخرى عادة. يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ أي لهذا النور الثاقب العظيم الشأن، بأن يوفقهم للإيمان به وفهم دلائل حقيّته.

قال أبو السعود: وإظهاره في مقام الإضمار. لزيادة تقريره، وتأكيد فخامته الذاتية بفخامته الإضافية الناشئة من إضافته إلى ضميره عزّ وجلّ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ أي ليدنو لهم المعقول من المحسوس، توضيحا وبيانا. ولذلك مثل نوره المعبر عنه بالقرآن، بنور المشكاة وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أي فلا يخفى عليه شيء.

وفيه وعد ووعيد. لأن علمه تعالى، عبارة عن مجازاته في أمثال هذه الآي.

[تنبيه:]

هذه الآية الكريمة- آية النور- من الآيات التي صنفت فيها مصنفات خاصة.

منها (مشكاة الأنوار) للإمام الغزالي، وقد نقل عنه الرازي في (تفسيره) هنا جملة سابغة الذيل. ورأيت للإمام ابن القيم في كتابه (الجيوش الإسلامية) ما يجمل إيراده، تعزيزا للمقام واستظهارا بزيادة العلم.

قال رحمه الله: سمى الله سبحانه وتعالى نفسه نورا وجعل كتابه نورا ورسوله صلى الله عليه وسلم نورا ودينه نورا. واحتجب عن خلقه بالنور وجعل دار أوليائه نورا يتلألأ، قال الله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وقد فسر بكونه منوّر السموات والأرض، وهادي

<<  <  ج: ص:  >  >>