للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

من أهل الظلمات الذين لا نور لهم، وأيضا فإن الله تعالى سمّى كتابه (نورا) ، ورسوله صلى الله عليه وسلّم (نورا) ، ودينه (نورا) ، وهداه (نورا) ، ومن أسمائه (النور) ، والصلاة (نور) ، فذهابه سبحانه بهم: ذهاب بهذا كله. وتأمل مطابقة هذا المثل- لما تقدمه من قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ [البقرة: ١٦] كيف طابق هذه التجارة الخاسرة التي تضمّنت هول الضلالة والرضاء بها، وبدّل الهدى في مقابلتها، وهول الظلمات- التي هي الضلالة والرضاء بها- بدلا عن النور- الذي هو الهدى والنور- فبدّلوا الهدى والنور، وتعوّضوا عنه بالظلمة والضلالة. فيا لها من تجارة ما أخسرها، وصفقة ما أشدّ غبنها. وتأمّل كيف قال تعالى: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ فوحّده ثم قال: وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ فجمعها. فإن الحقّ واحد: هو صراط الله المستقيم- الذي لا صراط يوصل إليه سواه- وهو عبادته وحده لا شريك له، بما شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلّم، لا بالأهواء، والبدع، وطرق الخارجين عن ما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلّم- من الهدى ودين الحق- بخلاف طرق الباطل فإنها متعدّدة متشعّبة. ولهذا، يفرد، سبحانه، الحق، ويجمع الباطل، كقوله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ [البقرة: ٢٥٧] وقال تعالى: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ، وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣] ، فجمع سبل الباطل، ووحّد سبيل الحق. ولا يناقض هذا قوله يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ [المائدة: ١٦] فإنّ تلك هي طرق مرضاته التي يجمعها سبيله الواحد وصراطه المستقيم، إنّ طرق مرضاته كلها ترجع إلى صراط واحد، وسبيل واحد، وهي سبيله التي لا سبيل إليه إلّا منها.

وقد صحّ عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم أنه خط خطا مستقيما، وقال: «هذا سبيل الله» «١» .

ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، وقال «هذه سبل، على كلّ سبيل منها شيطان يدعو إليه» ثم قرأ قوله تعالى: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.

وقد قيل: إنّ هذا مثل للمنافقين، وما يوقدونه من نار الفتنة التي يوقعونها بين


(١)
أخرج ابن ماجة في السنن في المقدمة، باب اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، حديث ١١: عن جابر بن عبد الله قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلّم. فحطّ خطّا. وخطّ خطين عن يمينه. وخط خطين عن يساره.
ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال «هذا سبيل الله» ثم تلا هذه الآية وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣]
.

<<  <  ج: ص:  >  >>