للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كالحائض إذا طهرت والمجنون يفيق. والنائم يستيقظ. والناسي يذكر. ودل تقديم العصر يوم عرفة على أنها تفعل في موضع مع الظهر عقيب الزوال. ودل هذا الحديث على أنها يدرك وقتها بإدراك ركعة منها قبل الغروب. مع أنه بيّن بقوله وفعله أن وقتها إذا صار ظل كل شيء مثله. ما لم تصفر الشمس. فدل ذلك على أن هذا الوقت المختص بها، وقت مع التمكن والرفاهية. ليس لأحد أن يؤخرها عنه ولا يقدمها عليه. وقد عرف من الصحابة كعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وابن عباس أنهم قالوا: (في الحائض إذا طهرت قبل غروب الشمس) :

تصلي الظهر والعصر. وإذا طهرت قبل طلوع الفجر، صلت المغرب والعشاء. ولم يعرف عن صحابيّ خلاف ذلك. وبذلك أخذ الجمهور كمالك والشافعي وأحمد.

وهذا مما يدل على أنه كان الصحابة ترى أن الليل عند العذر مشترك بين المغرب والعشاء إلى الفجر. والنصف الثاني عند العذر مشترك بين الظهر والعصر من الزوال إلى الغروب. كما دل على ذلك السنة والقرآن- يعني الآية المذكورة وأمثالها مما سقناه قبل- والذين ينازعون الجمهور في الوقت المشترك، ويقولون ليس لكل منهما إلا وقت يخصها، يقولون: الفرض إنما ثبت بالقرآن. والقرآن أوجب مطلق الذكر في قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى: ١٤] ، فلا موجب لخصوص التكبير عندهم. بل مطلق الذكر. وإن كان النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يصلّ قط إلا بتكبير. ولا أحد من خلفائه ولا أحد من أئمة المسلمين ولا آحادهم المعروفين يعرف أنه صلى إلا بتكبير. ومع هذا فيجوزونه بمطلق الذكر. لأن القرآن مطلق في الذكر. فيقال لهم: القرآن مطلق في آناء الليل وفي غسق الليل. ومطلق في الطرف الأول وفي الطرف الثاني، فدل على جواز الصلاة في هذا وهذا لو قدّر أن النبي صلى الله عليه وسلم داوم على التفريق فكيف إذا ثبت عنه أنه جمع بينهما في الوقت غير مرة؟ وكذلك يقولون: قوله تعالى: ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا [الحج: ٧٧] ، مطلق. فهو الفرض.

والطمأنينة إنما جاء بها خبر واحد. فيفيد الوجوب دون الفرضية. وكذلك يقولون في الفاتحة: إن القرآن مطلق في إيجاب قراءة ما تيسر منه، مع أن النبيّ صلى الله عليه وسلم والمسلمين من بعده لم يصلّوا إلا بالفاتحة. ومع

قوله: (لا صلاة إلا بأم القرآن) «١» .

و (إن كل صلاة لم يقرأ فيها بأمّ القرآن فهي خداج. فهي خداج. فهي خداج) «٢» .


(١) أخرجه البخاريّ في: الأذان، ٩٥- باب وجود القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها، حديث رقم ٤٦٠ (عن عبادة بن الصامت) .
وأخرجه مسلم في: الصلاة، حديث رقم ٣٤ و ٣٥ و ٣٦.
(٢) أخرجه مسلم في: الصلاة، حديث ٤٠ و ٤١ عن أبي هريرة.

<<  <  ج: ص:  >  >>