للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فَأُمِرُوا فِي هَاتِهِ الْآيَةِ بِأَنْ يَتَعَاهَدُوا الْفَضْلَ وَلَا يَنْسَوْهُ لِأَنَّ نِسْيَانَهُ يُبَاعِدُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، فَيَضْمَحِلُّ مِنْهُمْ، وَمُوشِكٌ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى عَفْوِ غَيْرِهِ عَنْهُ فِي وَاقِعَةٍ أُخْرَى، فَفِي تَعَاهُدِهِ عَوْنٌ كَبِيرٌ عَلَى الْإِلْفِ وَالتَّحَابُبِ، وَذَلِكَ سَبِيلٌ وَاضِحَةٌ إِلَى الِاتِّحَادِ وَالْمُؤَاخَاةِ وَالِانْتِفَاعِ بِهَذَا الْوَصْفِ عِنْدَ حُلُولِ التَّجْرِبَةِ.

وَالنِّسْيَانُ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِلْإِهْمَالِ وَقِلَّةِ الِاعْتِنَاءِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا [السَّجْدَة: ١٤] وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ، وَفِي كَلِمَةِ بَيْنَكُمْ، إِشَارَةٌ إِلَى هَذَا الْعَفْوِ، إِذَا لَمْ يُنْسَ تَعَامُلُ النَّاسِ بِهِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ.

وَقَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ تَعْلِيلٌ لِلتَّرْغِيبِ فِي عَدَمِ إِهْمَالِ الْفَضْلِ وَتَعْرِيضٌ بِأَنَّ فِي الْعَفْوِ مَرْضَاةُ اللَّهِ تَعَالَى، فَهُوَ يَرَى ذَلِكَ مِنَّا فَيُجَازِي عَلَيْهِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [السطور: ٤٨] .

[٢٣٨]

[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ٢٣٨]

حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨)

الِانْتِقَالُ مِنْ غَرَضٍ إِلَى غَرَضٍ فِي آيِ الْقُرْآنِ لَا تَلْزَمُ لَهُ قُوَّةُ ارْتِبَاطٍ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ كِتَابَ تَدْرِيسٍ يُرَتَّبُ بِالتَّبْوِيبِ وَتَفْرِيعِ الْمَسَائِلِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَكِنَّهُ كِتَابُ تَذْكِيرٍ وَمَوْعِظَةٍ فَهُوَ مَجْمُوعُ مَا نَزَلَ مِنَ الْوَحْيِ فِي هَدْيِ الْأُمَّةِ وَتَشْرِيعِهَا وَمَوْعِظَتِهَا وَتَعْلِيمِهَا، فقد يجمع بِهِ الشَّيْءُ لِلشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ لُزُومِ ارْتِبَاطٍ وَتَفَرُّعِ مُنَاسَبَةٍ، وَرُبَّمَا كَفَى فِي ذَلِكَ نُزُولُ الْغَرَضِ الثَّانِي عَقِبَ الْغَرَضِ الْأَوَّلِ، أَوْ تَكُونُ الْآيَةُ مَأْمُورًا بِإِلْحَاقِهَا بِمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ مِنْ

إِحْدَى سُوَرِ الْقُرْآنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ الثَّامِنَةِ، وَلَا يَخْلُو ذَلِكَ مِنْ مُنَاسَبَةٍ فِي الْمَعَانِي، أَوْ فِي انْسِجَامِ نَظْمِ الْكَلَامِ، فَلَعَلَّ آيَةَ حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ نَزَلَتْ عَقِبَ آيَاتِ تَشْرِيعِ الْعِدَّةِ وَالطَّلَاقِ لِسَبَبٍ اقْتَضَى ذَلِكَ مِنْ غَفْلَةٍ عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، أَوِ اسْتِشْعَارِ مَشَقَّةٍ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، فَمَوْقِعُ هَذِهِ الْآيَةِ مَوْقِعُ الْجُمْلَةِ الْمُعْتَرِضَةِ بَيْنَ أَحْكَامِ الطَّلَاقِ وَالْعَدَدِ.

وَإِذَا أَبَيْتَ أَلَّا تَطْلُبَ الِارْتِبَاطَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمَّا طَالَ تِبْيَانُ أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ مُتَوَالِيَةٍ: ابْتِدَاءً من قَوْله: يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ [الْبَقَرَة: ٢١٥] ، جَاءَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مُرْتَبِطَةً بِالتَّذْيِيلِ الَّذِي ذُيِّلَتْ بِهِ الْآيَةُ السَّابِقَةُ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [الْبَقَرَة: ٢٣٧] فَإِنَّ اللَّهَ دَعَانَا إِلَى خُلُقٍ حُمَيْدٍ، وَهُوَ الْعَفْوُ عَنِ الْحُقُوقِ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْخُلُقُ قَدْ يَعْسُرُ عَلَى النَّفْسِ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ مَا تُحِبُّهُ مِنَ الْمَلَائِمِ، مِنْ مَالٍ وَغَيْرِهِ كَالِانْتِقَامِ مِنَ الظَّالِمِ، وَكَانَ فِي طِبَاعِ الْأَنْفُسِ الشُّحُّ، عَلَّمَنَا اللَّهُ تَعَالَى دَوَاءَ