للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

كَانَتْ عِلَّةُ إِنْزَالِهِ إِخْرَاجَ جَمِيعِ النَّاسِ مِنْ ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ وَفَسَادِ الْأَعْمَالِ إِلَى نُورِ الْإِيمَانِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ، نَظَرًا لِخُصُوصِ الْفَرِيقِ الَّذِي انْتَفَعَ بِهَذَا الذِّكْرِ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِمْ.

وَلَيْسَ ذَلِكَ بِدَالٍّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ مَقْصُورَةٌ عَلَى هَذَا الْفَرِيقِ وَلَكِنَّهُ مُجَرَّدُ تَخْصِيصٍ بِالذِّكْرِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا أَوَّلُ سُورَةِ الْأَعْرَافِ.

وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً.

عَطْفٌ عَلَى الْأَمْرِ بِالتَّقْوَى وَالتَّنْوِيهُ بِالْمُتَّقِينَ وَالْعِنَايَةُ بِهِمْ هَذَا الْوَعْدُ عَلَى امْتِثَالِهِمْ بِالنَّعِيمِ الْخَالِدِ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ نَعِيمٌ مُقَيَّدٌ حُصُولُهُ لِرَاغِبِيهِ بِأَنْ يُؤْمِنُوا وَيَعْمَلُوا الصَّالِحَاتِ.

وصالِحاً نَعْتٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ يَعْمَلْ أَيْ عَمَلًا صَالِحًا، وَهُوَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ تُفِيدُ الْعُمُوم كإفادته إِيَّاه فِي سِيَاقِ النَّفْيِ. فَالْمَعْنَى: وَيَعْمَلُ جَمِيعَ الصَّالِحَاتِ، أَيِ الْمَأْمُورِ بِهَا أَمْرًا جَازِمًا بِقَرِينَةِ اسْتِقْرَاءِ أَدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ.

وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ.

وَجُمْلَةُ قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوب فِي يُدْخِلْهُ وَلِذَلِكَ فَذِكْرُ اسْمِ الْجَلَالَةِ إِظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ لِتَكُونَ الْجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِهَا.

وَالرِّزْقُ: كُلُّ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَتَنْكِيرُهُ هُنَا لِلتَّعْظِيمِ، أَيْ رِزْقًا عَظِيمًا.

وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ نُدْخِلْهُ بِنُونِ الْعَظَمَةِ. وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ مِنْ قَوْلِهِ: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَعَلَى قِرَاءَةِ نَافِعٍ وَابْنِ عَامِرٍ يَكُونُ فِيهِ سُكُون الِالْتِفَات.

[١٢]

[سُورَة الطَّلَاق (٦٥) : آيَة ١٢]

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً