: ١٩٤] .
[١٩٧]
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٩٧]
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبابِ (١٩٧)
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ.
اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ لِلْإِعْلَامِ بِتَفْصِيلِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ، وَالَّذِي أَرَاهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ بَعْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا فِي [سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: ٩٧] فَإِنَّ تِلْكَ الْآيَةَ نَزَلَتْ بِفَرْضِ الْحَجِّ إِجْمَالًا، وَهَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا بَيَانُ أَعْمَالِهِ، وَهُوَ بَيَانٌ مُؤَخَّرٌ عَنِ الْمُبَيَّنِ، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ وَاقِعٌ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَيَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي سَنَةَ تِسْعٍ، تَهْيِئَةً لِحَجِّ الْمُسْلِمِينَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.
وَبَيْنَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ وَنُزُولِ آيَةِ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [الْبَقَرَة: ١٩٦] نَحْوَ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ فَتَكُونُ فِيمَا نَرَى مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي أَمَرَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِوَضْعِهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ أَعْمَالِ الْحَجِّ وَأَعْمَالِ الْعُمْرَةِ.
وَهِيَ وِصَايَةٌ بِفَرَائِضِ الْحَجِّ وَسُنَنِهِ وَمِمَّا يَحِقُّ أَنْ يُرَاعَى فِي أَدَائِهِ، وَذُكِرَ مَا أَرَادَ اللَّهُ الْوِصَايَةَ بِهِ مِنْ أَرْكَانِهِ وَشَعَائِرِهِ. وَقَدْ ظَهَرَتْ عِنَايَةُ اللَّهِ تَعَالَى بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ الْعَظِيمَةِ، إِذْ بَسَطَ تَفَاصِيلَهَا وَأَحْوَالَهَا مَعَ تَغْيِيرِ مَا أَدْخَلَهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فِيهَا.
وَوَصَفَ الْأَشْهُرَ بِمَعْلُومَاتٍ حِوَالَةً عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ لِلْعَرَبِ مِنْ قَبْلُ، فَهِيَ مِنَ الْمَوْرُوثَةِ عِنْدَهُمْ عَنْ شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَهِيَ مِنْ مَبْدَأِ شَوَّالٍ إِلَى نِهَايَة أَيَّام النَّحْر، وَبَعْضُهَا بَعْضُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، لِأَنَّهُمْ حَرَّمُوا قَبْلَ يَوْمِ الْحَجِّ شَهْرًا وَأَيَّامًا وَحَرَّمُوا بَعْدَهُ بَقِيَّةَ ذِي الْحِجَّةِ وَالْحَرَامِ كُلِّهِ، لِتَكُونَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ مُدَّةً كَافِيَةً لِرُجُوعِ الْحَجِيجِ إِلَى آفَاقِهِمْ، وَأَمَّا رَجَبُ فَإِنَّمَا حَرَّمَتْهُ مُضَرُ لِأَنَّهُ شَهْرُ الْعُمْرَةِ.
فَقَوْلُهُ: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ أَيْ فِي أَشْهُرٍ، لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ وَلَكَ أَنْ تُقَدِّرَ: مُدَّةُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ، وَهُوَ كَقَوْلِ الْعَرَبِ «الرَّطْبُ شَهْرَا رَبِيعٍ» .
وَالْمَقْصُودُ مِنْ قَوْلِهِ: الْحَجُّ أَشْهُرٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ تَهْوِينًا لِمُدَّةِ تَرْكِ الرَّفَثِ وَالْفُسُوقِ وَالْجِدَالِ، لِصُعُوبَةِ تَرْكِ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ، وَلِذَلِكَ قُلِّلَتْ بِجَمْعِ الْقِلَّةِ، فَهُوَ نَظِيرُ مَا رَوَى مَالِكٌ فِي «الْمُوَطَّأِ» : أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ لِعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ يَا ابْنَ أُخْتِي إِنَّمَا هِيَ
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://shamela.ws/page/contribute