للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وَإِنَّمَا كَانُوا أَشَدَّ الظَّالِمِينَ ظُلْمًا لِأَنَّ الظُّلْمَ الِاعْتِدَاءُ عَلَى أَحَدٍ بِمَنْعِهِ مِنْ حَقِّهِ وَأَشَدُّ مِنَ الْمَنْعِ أَنْ يَمْنَعَهُ مُسْتَحِقَّهُ وَيُعْطِيَهُ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهُ، وَأَنْ يُلْصِقَ بِأَحَدٍ مَا هُوَ بَرِيءٌ مِنْهُ. ثُمَّ إِنَّ الِاسْتِحْقَاقَ وَعَدَمَهُ قَدْ يَثْبُتَانِ بِحُكْمِ الْعَوَائِدِ وَقَدْ يَثْبُتَانِ بِأَحْكَامِ الشَّرَائِعِ وَقَدْ يَثْبُتَانِ بِقَضَايَا الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ وَهُوَ أَعْلَى مَرَاتِبِ الثُّبُوتِ وَمَدَارُ أُمُورِ أَهْلِ الشِّرْكِ عَلَى الِافْتِرَاءِ عَلَى اللَّهِ بِأَنْ سَلَبُوا عَنْهُ مَا هُوَ مُتَّصِفٌ بِهِ مِنْ صِفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ الثَّابِتَةِ بِدَلَالَةِ الْعُقُولِ، وَأَثْبَتُوا لَهُ مَا هُوَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ مِنَ الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ بِدَلَالَةِ الْعُقُولِ، وَعَلَى تَكْذِيبِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُكْرَانِ دَلَالَةِ الْمُعْجِزَةِ الَّتِي يَقْتَضِيهَا الْعَقْلُ، وَعَلَى رَمْيِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِمَا هُوَ بَرِيءٌ مِنْهُ بِشَهَادَةِ الْعَقْلِ وَالْعَادَةِ الَّتِي عَرَفُوهَا مِنْهُ بُهْتَانًا وَكَذِبًا فَكَانُوا بِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ وَضَعُوا أَشْيَاءَ فِي مَوَاضِعَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مَوَاضِعَهَا فَكَانُوا أَظْلَمَ النَّاسِ لِأَنَّ عَدَمَ الْإِمْكَانِ أَقْوَى مِنْ عَدَمِ الْحُصُولِ.

وَتَقْيِيدُ الافتراء بِالْحَال الموكّدة فِي قَوْلِهِ كَذِباً لِزِيَادَةِ تَفْظِيعِ الِافْتِرَاءِ لِأَنَّ اسْمَ الْكَذِبِ مُشْتَهَرٌ الْقُبْحَ فِي عُرْفِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا اخْتِيرَ الِافْتِرَاءُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُمْ يَتَعَمَّدُونَ الِاخْتِلَاقَ تَعَمُّدًا لَا تُخَالِطُهُ شُبْهَةٌ. وَتَقْيِيدُ تَكْذِيبِهِمْ بِالْحَقِّ بِقَوْلِهِ لَمَّا جاءَهُ لِإِدْمَاجِ ذَمِّ الْمُكَذِّبِينَ بِنُكْرَانِ نِعْمَةِ إِرْسَالِ الْحَقِّ إِلَيْهِمُ الَّتِي لَمْ يُقَدِّرُوهَا قَدْرَهَا، وَكَانَ شَأْنُ الْعُقَلَاءِ أَنْ

يَتَطَلَّبُوا الْحَقَّ وَيَرْحَلُوا فِي طَلَبِهِ، وَهَؤُلَاءِ جَاءَهُمُ الْحَقُّ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَكَذَّبُوا بِهِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ لَمَّا التَّوْقِيتِيَّةَ تُؤْذِنُ بِأَنَّ تَكْذِيبَهُمْ حَصَلَ بِدَارًا عِنْدَ مَجِيءِ الْحَقِّ، أَيْ دُونَ أَنْ يَتْرُكُوا لِأَنْفُسِهِمْ مُهْلَةَ النَّظَرِ.

وَجُمْلَةُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ بَيَانٌ لِجُمْلَةِ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَتَقْرِيرٌ لَهَا لِأَنَّ فِي جُمْلَةِ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ إِلَى آخِرِهَا إِيذَانًا إِجْمَالِيًّا بِجَزَاءٍ فَظِيعٍ يَتَرَقَّبُهُمْ، فَكَانَ بَيَانُهُ بِمَضْمُونِ جُمْلَةِ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ وَهُوَ بِأَلْفَاظِهِ وَنَظْمِهِ يُفِيدُ تَمَكُّنَهُمْ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ إِذْ جُعِلَتْ مَثْوَاهُمْ. فَالْمَثْوَى: مَكَانُ الثَّوَاءِ. وَالثَّوَاءُ: الْإِقَامَةُ الطَّوِيلَةُ وَالسُّكْنَى.